تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
محجوبين بهذا الشاهد عن المشهود والمشهود عن الشاهد ، وكلاهما مقتسمان بالحجب ، وهذا الاقتسام عين التمكين لكن المحجوب حقيقة تفضل على المحتجب عنه بخصوص الاسم ، فعند ضرب هذه الحجب نبه المحجوب الشاهد على الاحتراق عند رفع هذه الحجب لئلا يخصص نفسه عليه لعلمه أنه فان في هويته ، والحقيقة له ، لكن الكمال أوجب له الظهور في التقييد ، فعند وجود هذا التقييد وجدت الحجب للمقيدين ، فلما آن رفعها أراد اللّه تنبيه هذا الشاهد على أنه يمكن له الاحتراق عند المقابلة التي موجبها الاقتسام . ( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : أنت بصري فكن في أمان وأنت وجهي فاستتر ) ] . ( ش ) أقول : معنى قوله : ( أنت بصري ) هو إشارة إلى أن المطلق الذي هو اللّه يبصر المقيدين بصورة مختصرة من مجموعهم ، فإنهم في حال تقييدهم ينظرون بصورة مقيدة ، وهي المختصرة المخلوقة على الصورة ، فإنه لو نظر اللّه بإطلاقه لأفنى الوجود المقيد ، وثبت الإطلاق لكنه ينظر المقيدين بالتقييد الصوري الذي ينزل فيه إلى سماء الدنيا ، فهذا النزول يكون في صورة الكامل المخلوق على الصورة . فقوله : ( أنت بصري ) أي : بصورتك المقيدة أبصر المقيدين ، فلا أقابل التقييد بالإطلاق ، فإنه لا يقابله عند هذا التجلي الأحدي ، فكأن اللّه يبصر المقيدين بواسطة هذا المقيد العاري عن الاختيار ، ويؤيد ذلك الحديث الصحيح ، وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه وبصره . . » إلى آخر الحديث ، وهذا التجلي هو من المقام الموسوي الذي قال تعالى فيه :
« وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي
[ طه : 39 ] ، ومن المقام المحمدي استمداده في قوله تعالى :
فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا
[ الطور : 48 ] ، فمتى أبصر العبد كان اللّه الباصر ، ومتى كان هو الباصر كان العبد بصره ، وإذا أحبه يعود العبد نظر اللّه في نزع الاختيار عنه ، والخالص من هذا كله أن اللّه في حال تقييد الوجود ينظر إليهم بعين مقيدة ، لئلا يفنى هذا التقييد ، وهذه العين هي المخلوقة على الصورة وهو الواحد في زمانه . قوله : ( وأنت وجهي فاستتر ) تأييد ما ذكرناه من الاقتسام إذ المحتجب على الإطلاق هو اللّه فلا يصدق الحجاب من دونه إلا على فان في هويته ، وهذا الفاني هو المقتسم كما ذكرنا لأنه متى فني والتحق بالهوية وصدق عليها الحجاب كان هذا الملتحق بها محجوبا بحجابها ، فوجب أن العارف الفاني يكون مقتسما بنصف اسم العزة التي ينشأ عنها الحجب ، فالظاهر من الوجود هو اللّه بصفات التقييد وهو مستودع في قلب هذا العارف