المحتجب وراءه ليس كل حجاب يرتفع ، فما دام يقين الشاهد بأن المشهود مسمى بالعزة لا يرفع الحجاب ولا يبطل هذا الاسم ، ومتى علم الشاهد أن هذا الاسم يزول بفناء عينه اضطرارا عند زوال الاسم رفع الحجاب ، فليس هذا الخطاب للكافة من المخلوقين ، وإنما هو لآحاد منفردة مخصوصة بمعرفة اللّه ، وهذا الشاهد واحد من الجملة ، ولهذا قال له :
( وإن لم ترفعها رأيتني ) فلو أن هذا المخاطب واحد من العامة لما كان أوقف على هذا المشهد ولا خوطب بهذا الخطاب ، فصح إنه لآحاد منفردة ، ويؤتي اللّه الحكمة من يشاء ، قوله : ( وإن لم ترفعها رأيتني ) معناه أن العارف بعد فنائه يلتحق باللطف الذي لا جسمانية له فلا تمنعه جثته عن النفوذ في الحجب المضروبة ، ولا يحد نظره الباصر بحصره يمنع نفوده عن الرائي لكنه يخترق الأجزاء المحصورة مجموعها في آن واحد ، ولا حجاب له من أجل هذا اللطف الذي قد اشتمل عليه ، فالحجاب ، والمحجوب ، والمخاطب أعني الشاهد عند نفسه واحد مدرك بإدراك واحد أيضا ، فلا مانع لنظره من أجل أن لا حجاب في أحديته لأنه لا متجزئ هناك ولا جثة ثانية تمنع إدراكه ، لأنه في حال فنائه بريء عن الثنوية ، فلا حجاب له على الإطلاق ، وإنما خوطب بهذه الحجب من وجهين :
أحدهما : إنه اتصف بالعزة في حال فنائه في الهوية فضربت هذه الستور على وجهه لتسميته بالمحتجب .
والثاني : إنه في حال الكمال حاز صفتي التقييد والإطلاق ، ففي حال الإطلاق لا حجاب ولا محجوب ولا خطاب ، وفي حال التقييد هو مسمى بالكثرة والاسم فعّال موجود بوجود التجزؤ ، فلا يبعد أن العارف يخاطب بمثل هذا الخطاب في حال التقييد آن ظهور الاسم عليه ، ولهذا بدأ بقوله : ( إن رفعتها رأيتني ) فصح أنه في حال التقييد لأنه أنا فيه وأنا في الإطلاق ، ولما أخذ في الإطلاق ، قيل له : ( وإن لم ترفعها رأيتني ) وذلك له قبل الدخول في الإطلاق وحتى يصدق الحجاب
( ص ) قوله : ( ثم قال لي : إياك والاحتراق ) .
( ش ) أقول : معناه إياك والاحتراق تنزيل على الحديث النبوي ، وهو
قوله صلى اللّه عليه وسلم :
« إن للّه تعالى سبعين حجابا من نور لو كشفت عن وجهه . . . »
، الحديث بتمامه فلما ذكر بقوله أولا إن رفعتها رأيتني حذره في هذا القول من الاحتراق لأنه عند رفع هذه الحجب لا يستطيع المقيد مقابلة الجلال المحجوبة ، فتحذيره من الاحتراق عند المقابلة هو تمكين القوة وهذا التمكين من الاقتسام ، لأنه في حال ضرب الحجب يعود كلا المتخاطبين
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 135
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٣٥