وإن ظهر في أطواره لكن الجاهل لا يعتقد أن اللّه طورا من جملة الموضوع الواحد وشرط جهله أنه لا يطلق على نفسه اسم الهوية ، فما دام يدرك الكثرة فلا يعرف اللّه إذ يعتقد أنه واحد يشبه الجملة إذ هم متشابهون واللّه بريء عن التشبيه ، وقد ضرب على قلب هذا الجاهل فلا يعرف أن الوجود فان في الهوية والحقيقة لها ، فلا يعرف اللّه على حقيقته إلا من وقف على هذا الفناء ، فكان هذا لا يعرف إلا نفسه وعلى الإطلاق لا يعرف اللّه إلا اللّه وتأييده قوله تعالى :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا
[ الشورى : 51 ] ، فكل هذه معرفات أنه ما دام الشخص في حكم البشرية فلا يعرف اللّه حقيقة ، فكل بشر حقيقة يطلق على ذاته البشرية لا يعرف اللّه حقيقة ، فالعارف الكامل إنما يعرف اللّه حقيقة ، وقال : قد قال لي : وقد كلمني وقد رأيته بعد فنائه وخروجه عن حكم البشرية ، فمتى وجد من يتصف بالبشرية ، ويقول : قد رأيته يكون قد كفر في الظاهر وأخطأ في الحقيقة فالحاصل من قوله :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
[ الأنعام : 91 ] أنه لا يقدر على معرفته بشر ولا يقوى على معرفة نفسه سواه قوله : ( لو كان في النور لقدروه ) معناه أن النور محل التمييز والتشبيه والمماثلة ، فلو أنه يحتمل التشبيه لكان النور محله وكل حال في النور مدرك إذ لا مثال يدرك بعضها بعضا في النور وهذا ليس له مثل فلا يدرك إذ لا يدرك الشيء إلا مثله وأيضا فإن حقيقته بريئة عن التكثير ، فليس فيها متشابهون ، ولو أن في حقيقته احتمالا للتكثر لكان فيها نورا إذ هو المميز للكثرة ، وفي حقيقته لا تمييز فلا نور فلا إدراك فلا معرفة إذ العارف مستقل بالمعرفة وما دام في النور لا ينطلق عليه الاستقلال ، فلو أن اللّه في محل التمييز لما كان العارف يفتقر في محال معرفته إلى الخروج من النور ليدرك اللّه على حقيقته .
قوله : ( أنت عبدي حقا ) يريد به أن العباد مطلق الموجودات ، ومن لم يعرف اللّه فليس بموجود إذ لا حقيقة لموجود سوى هذا الواحد إذ لا يعرف اللّه سواه والمتخلف عن المعرفة فان في حقيقة هذا العارف الواحد إذ هو مستعلي بمجموع الوجود ، وإذا كان العارف موجودا يجب أن يكون الموجود كله موجودا وهو جمع عبودية بدليل قوله تعالى :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ
[ مريم : 65 ] ، فهذه العبودية « 1 » عامية
هامش
( 1 ) العبودية : فهي في اصطلاح أهل الحقيقة : الوفاء بالعهود والرضا بالموجود والصبر عن المفقود ، وقيل : هي الاختيار فيما يبدو من الأقدار ، وقيل : هي التبري من الحول والقوة ، وقيل : معانقة