( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : ارجع إلى ظلمتك ، فإنك مبعود عن أبناء جنسك ) ] .
( ش ) أقول : معنى قوله : ( ارجع ) يريد به عودة إلى الإطلاق العام الذي يجعل هذه الحضرات واحدة إذ هو أصلها ومرجعها إليه وأيضا فإن العارف في حال شهود الظاهر ، ولو أدرك الكثرة فقصارى أمره الأحدية ، فعند ما يتطور بالمظهر عن ظهوره حضرات لابد له أن يدخلها شيئا فشيئا ، فعند دخوله في حضرة واحدة لا ثبوت له ، فيرجع إلى الإطلاق عند الخروج من هذه الحضرة التي لبث آنا واحدا ظلمانيا كانت أو نورانية ، لكنها قيد وليس من صفة التقييد ، فعند رجوعه من كل حضرة مقيدة لابد له في عقيب هذا الرجوع من الإطلاق ليحوز كماله في حالتي الإطلاق والتقييد ، فهذه الحضرة التي قيل له فيها ارجع قد كانت متصفة بالتقييد ، فأريد له الإطلاق عند الرجوع منها ولا رجوع من التقييد إلا إلى الإطلاق ، وهذا الرجوع يكون في أماكن مختصة بعد اليقين بما يستكشف عن حقيقته ، فلما كان هذا المقام إنما قصد الشاهد فيه تمكين تعيينه بظلمته أمر بالرجوع إلى ظلمة الحقيقية التي لا تتعدد حضراتها قوله : ( فإنك مبعود عن أبناء جنسك ) ، معناه أن هذا ليس مقام من اتصف بالإطلاق ، وإنما هو مقام المقيدين إذ هو مقيد باسم حضرة وأهل التقييد لا ينطلق الإطلاق على محالهم وأهل هذه الحضرة قد صدق عليهم التقييد بانفراد هذه غير الهوية ، فلا يصدق عليها الإطلاق ولا على أهلها ، وإن ولج فيها المطلق ، فلا يطلق عليها محل من وجوه متعددة منها أنه لا وقفة له فإذا أولج في محل كان جاريا غير واقف ، فبالحقيقة لا يدرك هذا في محل إذ المحل المقيد للواقف أو المتصف بالتجزئ ، وهذا غير واقف فلا متجزئ ، فلا يطلق عليه المحل المتجزئ ، والثاني أنه حين فني واتصف بأوصاف الخوية برء عن التقييد في الباطن وإن صدق عليه التجزؤ في الظاهر ، فإن كماله أوجب له هذه الصفة كالنزول في الثلث الأخير من الليل ، فإن النزول لا يكون إلا صوريا وهو تنازل منه تعالى فحظ العارف من التجزؤ تصديق اسم الظاهر لا غير الثالث أن هذه المقامات المتعددة يستوعبها حقيقة العارف ، فإن أطلق عليه الإطلاق كان في لا مقام وإن أطلق عليه التقييد كانت المقامات كلها له مستهلكة في ملكه فلا يختص منها شيء دون شيء وهذا التمييز لا يكون لمشارك في المثل الصوري أو في الرتبة أو في الاتصاف هذا على الصورة الروحانية ، فلا مثل لصورته وفريد عصره فلا ثاني له ومختص بالكمال دون غيره من أبناء جنسه ، فلا مرتقي إلى مرماه ، فهذا بعده من أبناء جنسه .
( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : ليس في الظلمة غيرك ولا أوجدت منها سواك منها أخذتك ) ] .
( ش ) أقول : معنى قوله ليس في الظلمة غيرك إشارة إلى ما ذكرناه من تفرد العارف
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 126
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٢٦