تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
تعاف الكثرة من أجل أحديتها الذاتية لأن الظلمة ها هنا بعد كماله عوارض بالنسبة إلى التجزؤ لكن العظمة تحتوي على هذه العوارض . فقوله : ( ما أشد ظلام هذا النور ) يريد به نفور نفسه عن التجزؤ لا غير . قوله : أخرج يدك فلن تراها ) معناه لا تطلب التحقيق في يقين هذه الظلمة وإن تحقق فلا يعطيه اليقين زيادة على هذا الاسم فليس يفتقر بعد فجأة هذه الظلمة إلى طلب إظهار ما وراءها فإنه تيقن أن وراءها حقيقة فيها اليد . فقوله : ( أخرج يدك فلن تراها ) معناه تمكين اليقين بعدم هذا النور المعتقد وهو الوجود الظاهر فإن الشاهد لا يتغير عليه في حال الرجوع إليه تمكين اليقين لكن نفس التجزؤ يوجب التردد في ظاهر اليقين والدليل عليه إخراج يده عقيب الأمر فلو لا وجود تردد ما بشرط الكمال لما كان أخرج يده ولا كان أمر بها ، قال اللّه تعالى لخليله :
قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
[ البقرة : 260 ] ، وكذلك قيل لموسى عليه السلام :
اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ
[ القصص : 32 ] فهذه كلها عوارض على الكاملين ليتمكن اليقين وموجب هذه العوارض حكم التجزؤ قوله : فأخرجت يدي فما رأيتها معناه أنه لما أراد تمكين اليقين في الظاهر عاد إلى الأصل وهو التحقيق الذي كان عليه قبل الرجوع فإن هذه حصر يكون قد أحصرت لهذا الشاهد في حال الشهود وأدرك فيها صورة الفتح والاطلاع إلى عالم الظاهر ، فوجده ظلمانيا لا يدرك فيه ، فتحقق عند رجوعه أنه لا حقيقة لهذا النور الظاهر . قوله : ( هذا نوري لا يرى فيه غيري نفسه ) أقول : إن هذا التنزل من صرف التحقيق والمراد به أن الكثرة أطوار الواحد وتمايزها كثافة الظهور وليس الأطوار غير المنظورة بل لا شيء معه في الوجود ، فإذا أفرد نفسه من هذه الكثرة كان بالحقيقة هو الرأي وما تم غيره فهو بالحقيقة رأى أماراته ، فمن أجل الإطلاق ، وأما كونه مرئيا ، فمن أجل تقييد الأطوار ، لأن نوره مميزها بدليل قوله تعالى :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ النور : 36 ] ، فهذا نوره يميز أطواره ومظاهره فهو موجود بالجمعية وإطلاقه بنفسه لا يدركه سواه ولولا فناء الشاهد في الهوية لما أدرك هذا المقام ، فلو لا فنيت أعيان الكثرة لكان الكل مدركا للإطلاق بغير نور ، فلما أراد التكثر ظهر بالنور المذكور وهي أطواره المتكثرة ، وما ثم إلا ذاته بلا غير إذ لو كان غير الماء رأى نفسه فالحقيقة له ، وكل موجود رأى وهو الموجود ، فلهذا لا يرى غيره نفسه لأنه لا غير .
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 125 | أحمد فريد المزيدي / ست العجم بنت النفيس البغدادية