( ش ) أقول : مراده بهذا الفتح هو نظر العارف إلى ما يلي الظاهر ، فإن الدنيا بالنسبة إلى مجموع الوجود كخرم الإبرة ، ولو أقلّ لساغ ، لكن أقل النسب غير منطوق بها فاستمداد الظاهر للكثرة من الذات الجامعة الواحدة بهذا القدر النذر ، فإذا اتصف العارف الكامل بأوصاف الذات بعد فنائه يعود نظره إلى عالم الظاهر بهذا السبيل الذي لا قدر له ، فكان هذا المقام قد حصل لهذا العارف بعد كماله بآن واحد في حال رجعته من شهود الكمال ، فعاد نظره إلى الوجود كما ذكرناه ، ولولا أنه يشترط في كماله الاطلاع إلى الوجود الظاهر لما كان تحدد له هذا السبيل النزر ، ولا كان يعود إلى التجزؤ ، قوله :
( فخرجت عليه ) معناه الرجوع من الخلع لكن هذا الرجوع مقيد برجوع الكمال ، فليس كل رجوع من خلع يكون على هذه الصفة وكونه مقيدا بالكمال لأنه ذكر فيه الفتح بعد الاتصاف بالظلمة الذاتية ، فإنه قبل كماله لا يزال في حكم التي ذكرها فعند الرجوع من الخلع المختص بالكمال يكون الشاهد الراجع قد تيقن بجزئيته الظاهرة النزرة ، فيفتح له في أحديته سبيل تجزؤ ، وهذا السبيل ينظر إلى ما يلي الدنيا ولا يكون إلا بعد رجوعه من شهود الكمال في الآن الآتي والخروج عليه محمولا لأن جسم العارف اللطيف يباين الكثافة الأرضية ويلحق بالنور الظاهر هذا عند الرجعة من الشهود ، وأما في حال الشهود فلا مثال للطافته ، فإذا باين جسمه في حال الرجوع هذه الكثافة المذكورة ، فيجب أن يرجع محمولا على النور إذ النور محل التحديد وهذا الفتح تحديد .
وقوله : ( فرأيت بهاء ونورا ) معناه أن الظاهر محل الاسم الجميل لأن موجب الكثرة والتباين أوجب الجميل ، لئلا يقع النفور بين هذه الكثرة المتباينة ففي حال الرجعة من الشهود يعود الشاهد إلى حكم التجزؤ فيظهر له عند الرجوع من الكمال الجميل بعثه لئلا يحصل له النفور في جزئيته بعد اعتقاد فناء الكثرة ، فهذا معنى قوله : بهاء ونورا وهذه كلها نعوت تدل على أن هذا المقام هو عند الرجوع من شهود الكمال ، فالنور لتصديق التمايز والبهاء لعدم النفور .
وقوله : ( فقال لي : رأيت ما أشد ظلام هذا النور ) معناه أن الأصل في الوجود الظاهر هو تقييد الذات الظلمانية إذ الأصل في الحقيقة الظلمة ، إذ الذات عارية عن التمايز ، فإن كان الشاهد يشهد الكثرة في حال الرجوع ، فالأصل عنده فناؤها لأنه كماله ، فيدركها في نور متمايزة ، ويتيقن أنه لا حقيقة لهذا النور ، إذ لا كثرة في الحقيقة ، فيدرك هذا النور ظلمة ، وإن كان المراد بإدراكه الاتصاف بالتجزؤ لكن نفسه الكاملة الشريفة
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 124
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٢٤