يلحظ تقييد النور في إطلاقه ، وأيضا فإن الحق إذا ظهر للشاهد من حيث هو يتسمى له بمجموع الأسماء في آن واحد ويدرك الشاهد هذه حقائق مختلفة متنوعة مضادة بعضها البعض كالرحمة والانتقام فلا يبغون أن تسمح له الظلمة بالضوء لأن كليهما وصفان لذات واحدة وما أسطع نورها عاد إلى العموم بذكر النور حيث كان الضوء وصفا مخصوصا من أوصاف النور ، وصورة هذا النور الموصوف به هذه الظلمة لأن هذه الظلمة ذاتية ، فمتى وصفت بالظلمة تكرارا كان هذا الوصف مميزا فيها وليس فيها تمايز إلا بالنور ، فوجب أن يكون هذا الوصف مطلق النور ، لأنه مميز ولا يقع التمايز إلا بالنور ، فالذات من حيث هي أحدية هي ظلمانية ، فإذا أرادت التكثر لا تدخل عليها النور فهو لكونها متكثرة والظلمة لكونها واحدة ، فلما تمايزت فيها المقامات كما ذكرنا في حال التعجب وجب أن يكون المميز النور ، فلهذا اتصفت بالنور إذ لحقها التمييز ، وكونه ساطعا لأنه لا يشوبه كثافة إذ هو منبع الأنوار ، فالأنوار المقيدة بالنسبة إليه كثائف ، وهذا نور مطلق في مقابلة الظلمة الذاتية ، إذ هذا النور ينشأ من هذه الظلمة وفي الحقيقة تتحرك الأوصاف كلها ، فلا نور ولا ظلمة لكنها لما أطلق عليها التقييد في كون المقامات تسمت بالنور والضوء للتمييز من أجل التقييد لا غير قوله : ( هذه الظلمة مطلع الأنوار ومنبع عيون الأسرار ) يعني بها أن الأنوار المقيدة من هذا النور الظلماني نشأت ، فكل منفرد مقيد ينطلق عليه نور فهو في الحقيقة مطلق ، وإطلاق وصف لهذه الذات الظلمانية يشهد مستنيرة لأنها في حال إرادة التقييد يظهر بنور يتميز فيه إذ لا تمايز سوى التقييد ، فكل نور يدرك مقيدا يكون مظهرها بإرادة التقييد ، وكل مقيد يدرك في شهود نسميه طالعا وهي محله ، فيكون مطلعا له فمن حين بدأ الشهود إلى حيث الكمال يدرك اختلاف الكمالات المقامات ، لأن الشاهد فيه في نمط الزيادة ، فكلما يزيد في المقامات يسمى ذلك التزيد طالعا ، وأما كونها منبع عيون الأسرار ، فالمراد من الأسرار ها هنا الاستمداد من سر الحياة وسر الحياة هو الماء فهو منبع العيون المنفردة من أنواع الحيوانات والماء يستمد من هذه الظلمة الذاتية لأنه أول موجود صادر عنها فهو يستمد منها الصفاء وفي حال الاستمداد يتصف بالحياة الأبدية ويفيض هذه الحياة على الأنواع المتعددة المرادة للظهور ، فكل نوع ينبع له عين بقدر سعته وصفة تقييده ، وكل مقيد فيه سر ، وموجب هذا السر في المقيد هو الماء ، وفيه سر الحياة بمجموع الاسم ، وهذا الاسم للذات المذكورة بلا واسطة ، وأما كونها عنصر المواد لأن كل مادة تتقيد في جهة فهي المقيدة بالحقيقة لأن مجموع الوجود المقيد
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 122
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٢٢