( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : ترى ما أحسن هذه الظلمة ، وما أشد ضوءها ، وما أسطع نورها هذه ظلمة مطلع الأنوار ، ومنبع عيون الأسرار وعنصر المواد ) ] .
( ش ) أقول : إن مراده بقوله له فيض التعجب على الصفة من الموصوف ، فإن اللّه تعالى حجبت صفاته وأسماءه يجعلها حضرات ، ويتعجب بها كتعجبه من الشيء ، فإذا تعجب فاض التعجب على صفاته ، فيحصل للصفة التعجب أيضا ، وهذا المقام الذي قد قيل له فيه : ما أحسن هذه الظلمة من المقامات التي يظهر اللّه بصفاته وأسمائه متباينة ويقوم الشاهد في صورة متباينة أيضا ، فتكون الصفات المذكورة مقامات متعددة يتعجب منها المشهود كما يتعجب اللّه من مظاهره ، فهذا مقام من المقامات المذكورة وكونه ظلمة لأنه وصف من أوصاف الهوية ، وهي تستهلك أوصافها وحضراتها التي تليق بها ، فيجعلها كلها ظلمانية لأنها من حيث هي تباين نورها هذا النور المدرك بل تكون بالنسبة إلى هذا النور كأنه ظلماني ، وهو كذلك في الحقيقة لأنه لا تمايز فيه ولا فائدة في النور سوى التمايز لكنها ظلمة ليست من خارج ولا يلتبس بها الشاهد تلبسا ينسب إلى الدخول فيها ، لكنها ظلمة أحدية الشاهد لنفسه يظهر من نفسه لنفسه النورانية المقيدة ، فيدركها ظلمانية نسبية ، وفائدة الإطلاق والقيد ، فلما ظهر اللّه لهذا العارف الشاهد بالصفاء في مرتبة المقامات ، وهي متباينة عنه كما ذكرنا حصل التعجب وأفاض على الشاهد ، فقال له : ( ترى ما أحسن هذه الظلمة ) .
قوله : ( وما أشد نورها ) يلحظ منه في ظاهره تناقضا من أجل أن النور يباين الظلمة لكنها ظلمة تباين هذه الظلم ، فوجب أن يكون نورها يفضي إلى التعجب أيضا ، والدليل على أنها نور يباين هذه الأنوار ، كما أنها ظلمة تباين هذا الظلم تسميته لها بالضوء لأن الضوء نور مقيد في محل ينطلق عليه الضوء والنور لفظ عام مطلق على الضوء وغيره ، وهذا الضوء وصف لهذه الظلمة ، لأن نفس التقييد يوجب التسمية لتعريف المقيد ، فلما كانت الظلمة إطلاقا غير محدد ولا تمايز فيها كانت ثرية عن الأسماء إذ الأسماء موجبها التقييد ، فلما أراد اللّه أن يجعلها حضرات متعددة بقدرته جعل لها تعالى اسما يلحظ منها المناقضة لأن الاسم منتزع منها وهو الضوء ، وكما أن الضوء منتزع من إطلاق النور وهو مقيد كذلك انتزع لهذه الظلمة المطلقة منها اسم مقيد مناف للإطلاق ، فلحظت منه المناقضة كمناقضة حصر النور ، فإنه يدرك كأنه محصور وتيقن المدرك أنه مناقض لنفسه لأنه يعتقد أن النور ينحصر البتة ، فهذه المناقضة التي يلحظ من تسمية الظلمة بالضوء كما
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 121
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٢١