تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
بلوغ غاية ما مقصودة له ، فلذلك قيل له : قد وجدت ، قوله : ( فألقيت كل شيء كان عندي ، وما رأيت حين ألقيت ) معناه : يشير إلى اللقاء المألوفات المذكورة في حال الخلع والدخول في هذه الحضرة الظلمانية . فقوله : ( فما رأيت حين ألقيت ) معناه أن العارف كلما استقر في حضرة أو مقام لا يلبث فيه أكثر من آن واحد ويأخذ في التزيد ، ومحال أن هوية اللّه تأخذ في الانتقاص ، فكذلك العارف بعد كمال المعرفة لا يأخذ في الانتقاص لأنه متصف بأوصاف الهوية في حال فنائه ، لكنه يأخذ في المظاهر ولا معنى للمظاهر إلا التزيد في الوجود ، فإذا دخل في حضرة تمشيته لا يلبث فيها أكثر من آن واحد ، ويعود إلى الظهور ، وهذا ينقص قول من قال : إن العارف باللّه يجوز أن يسلب معرفته ، فإن السلب ينقص وهذا بريء عن النقص لفنائه في الهوية الكاملة التي لا يسوغ فيها إطلاق النقص ، فكأنه حين دخوله في هذه الحضرة أراد الظهور بصفة التحول ، ومعنى قوله : ( فما رأيت حين ألقيت ) هو إرادة الظهور المذكور لأنه إذا بلغ الغاية في مقام لا يفتقر إلى التحول منه إلى مقام آخر ، وهذا أخذ في نمط التحول ، فلا يجب له الوقوف في مقام إذ لا غاية له فيه ، فكأنه يقول : من حين ألقيت ، وقيل لي : قد وجدت عدت إلى الظهور ، وبقيت عن نفسي الوقفة لأن الوجود المذكور وقفة . وقوله : ( وبقيت فقال لي : الآن أنت أنت ) معنى بقائه هو البقاء المختص باللّه لأن اللّه يتحول فيها تعالى يسمى باقيا ، وكذلك الكامل بعد فنائه في الهوية يطلق عليه البقاء في أي مقام يتحول إليه وأي صورة يلج فيها ، وأعجب الأشياء من صفات العارف الكامل أنه يتحول من مقام إلى مقام واسم بقائه ينطلق على الأول مع تحوله عنه ، فكأنه قال حال ثبوتي هذا الآن في هذا المقام ينطلق على اسم البقاء وهذه كلها صفات يلتزم الكمال في الفناء بشرط الوقوف على صورة هذا الفناء ولولا وقوف هذا العارف على صورة هذا الفناء لما كان قيل له : أنت أنت ، ومعنى ذلك هو أنه في حال الخطاب من اللّه إلى الشاهد يتنازل اللّه له إلى مقام المماثلة في الصورة ، ويعود الشاهد مرآة لصورة اللّه التي تنازل فيها واللّه بنوره مرآة لصورة الشاهد والخطاب الجاري بين هذين الصورتين هو سريان اللطف النوري من اللطيف إلى الكثيف ، فكلما تحرك في خاطر الشاهد حرف أو معنى ينطبع في مرآته التي هي اللّه بنوره ، فيحصل له السماع والقبول بالانطباع في المرآة الكثيفة التي هي صورة العارف ، فمن هذه الأوصاف سمع الخطاب بالقول له : أنت أنت .