اقتصر على ذكر الأنواع الأربعة اختصارا ، لأن مجموع الوجود ينتهي إلى أربعة أسماء وهي أنواع الوجود ، قال اللّه تعالى :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ الحديد : 3 ] ، فهذا العارف رضوان اللّه عليه نظر إلى الحقيقة من حيث هي ، واختصر منها مجموع الوجود وأجزاؤه أنواع ، وهذه هي الأنواع المذكورة في الصحراء قوله : ( فكلما نالني منها ضرر نضحت الموضع بالماء فبرئ ) معناه أن العارف إذا صدرت إليه أذية من جزء من أجزائه لا يحملها على ظاهرها ، وإنما ينظر إلى الحقيقة من حيث هي وتيقن أن الحياة واحدة سارية في المجموع ، فكما أن بمجموعها في جزئه ، فيقابل الأذية بأحدية الحياة ، ولا يرى أنه يصدر إلى جزئه بمثل تلك الأذية ، فإنه متى فعل ذلك عاد على نفسه بالأذية ، والجزء من حيث جهله لا يعلم أن الحياة واحدة والمجموع واحد والعارف ونفسه واحد ، أعني نفس الجاهل ، فالجاهل إذا وصل إلى العارف بالمعرفة التي هي مفضية إلى الأحدية ، فكأنما طرأ على العارف ضرر يكون موجبه عارضا نسبيا ، يقابله بأحدية الحياة ، وذلك هو نضح الماء المذكور ، لأن الماء هو منبع الحياة ، فهذا معنى قوله : ( كلما نالني منها ضرر نضحت الموضع بالماء فبرئ ) .
وقوله : ( ثم فتح لي في آخر الصحراء عن جنات فدخلتها فيبس الماء فخرجت منها فنبع الماء ) .
أقول : معنى الفتح في آخر الصحراء عن الجنات هو استشراف العارف في عالم الدنيا إلى عالم الآخرة التي ينطلق عليها اسم الجنة ، وكونها في آخر الصحراء لأن الفتح هو عند منتهى اليقين بالدنيا ، فكأنه لما انتهى في الدنيا إلى المراد باستشرافه ، فتح له عن عالم الآخرة التي هي عالم الجنة ، وأيضا فإنه أول ما يوجد العارف ينطلق عليه اسم الجهل ولا معنى للجهل إلا التيقن بحقيقة الدنيا ، فإذا أخذ في الاستشراف إلى المعرفة ، ثم تمكن فيها وهي القوة المعبر عنها بالصلابة يفتح له باب إلى عالم الآخرة ، فيعود مشاهدا للعوالم الأربعة ، ومنها عالم الآخرة الذي هو اسم للجنة .
وقوله : ( فدخلتها فيبس الماء ) معناه أن عالم الجنة هو آخر الوجود لأن الاسم الآخر هو مكمل الأربعة ، فإذا وصل الشاهد إلى هذا العالم ، إما بموت ، وإما بشهود كما قال :
انقطع عالم الظاهر الذي موجبه الماء لأن عالم الآخرة لا يستمدون الحياة من الماء ، وإنما يستمدون الحياة من اللّه بالجعل وهذا الجعل هو
قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يكتب إلى أهل الجنة ، أما بعد فإنني حي لا أموت ، وقد جعلتك حيا لا تموت »
.