هي الصلابة ، فنيت له أنواع القوة وفني الاتحاد أيضا ، فانطلق عليها اسم الأحدية ، فلما أراد أن يأخذ منها شيئا بحسب العادة في التنوع فلم يجد فيها أنواعا ، وذلك هو يبس الماء ، ومتى يبس الماء عند كثرة الأشياء تعود كلها تربة واحدة لأن العلة في الكثرة هي الحياة ، والماء ممد هذه الحياة ، فإذا جف الماء وجب أن تعود هذه الأشياء ترابا ، كما قال :
( عادت الجواهر أحجارا ) وكل هذا موجبه عدم الماء واستحالت الجواهر معناه أن العارف يجزم عليه الخصوص لنفسه بل يمتنع عنه التخصيص ، فأول ما يلتزم به العارف عدم الخصوص ، فلما أراد الأخذ ومدّ يده إلى تناول الثمار ، كأنه أراد التخصيص لنفسه فمنع منه كما أن فطرة العارف تقتضي عدم الخصوص ، فلهذا يبس الماء ولا يكتفى بيبسه لأن يبسه مزاج أنواع القوة حتى ظهر له المنع ، وهذا كالتذكير للنسيان لأنه ذهل في حال إرادة الأخذ عن عدم الخصوص ، فكانت الاستحالة مذكرة فلو يبس الماء لجعل أنواع القوى واحدة ، فوجب أن تكون الاستحالة للتذكير ، وقال اللّه تعالى في حق آدم :
فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
[ طه : 115 ] ، فطرأ نسيان العارف عليه لكماله لأن أبا البشر عليه السلام كان كاملا ، وكماله أوجب النسيان .
( ص ) [ قوله : ( فإذا النداء ألق ما بيدك من ثمرها ، فألقيت بها فنبع الماء وعادت الجواهر إلى حالها ) ] .
( ش ) أقول : معنى قوله : ( فإذا النداء ) هو التذكير الذي قلناه وألقى ما بيده ، وهو استدراك الفارط في حال التذكير ، فإن يبس الماء واستحالة الجواهر هو التذكير الذي عبرنا عنه وعبر عنه أيضا بالنداء لأنه في الحقيقة لا قائل ولا سامع ، لكن طريان الصفات أوجب له التذكير كالنداء المسمع .
وقوله : ( فألقيت بها فنبع الماء ) معناه أنه لما عاد إلى التزام عدم الخصوص بالتذكير المذكور جرى معه الحق من حيث هو ، وعادت الحقائق إلى أصولها ، والعلة في عودتها إلى ما كانت عليه أولا ، وهو أنه إذا وصل العارف إلى غاية فنائه في الهوية واتصف بأوصاف اللّه تعالى تصير الأشياء عنده واحدة في حال الوصول ، فإذا دام هذا الفناء يأخذ العارف في التحول في المظاهر ، كما أن اللّه تعالى له التحول دائما فيكون تحول العارف بعينه تحول اللّه لأن العارف ليس له حقيقة منفردة عن الهوية والتحول للهوية ، لأنها اسم لذات اللّه تعالى ، فكأنه لما تمكن في القوة واستدرك عدم الخصوص المذكور ، ومضى عليه آن أخذه في التحول في المظاهر المذكورة ، وتحول عود الجواهر المذكورة إلى حقائقها .