تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
قوله : ( فقال لي : ادخل ، فدخلت ) هذا الأمر لقطع اليقين بعد حصول التردد عند الاطلاع فلما حصل له ذلك أمر بالقطع في حال الاطلاع على إرادة اليقين ودخوله ولجه في اليقين المعبر عنه بالمقام . فقوله : ( فدخلت ) يريد به أنني اتصفت عقيب الأمر ، فإنه قبل الأمر كان حصل له التردد ، فلما ورد الأمر تحقق بالاتصاف إذ الأمر حق . قوله : ( فرأيت أزهارها ، وأنوارها ، وطيورها ، وثمارها ) أقول : معنى أزهار هذه الروضة المعبر عنها بالمقام في اصطلاحنا خاصة هو اختلاف القوة والقهر والجبروت والانتقام ، فالأزهار كل ما يمازج القوة والأثمار هو جنى الأزهار وهي قوة تمازج القهر عند ظهور القهر عليها والنوار هو أشرف الزهر على محل قابل وله من الأربعة المذكورة الجبروت إذ هو محل قابل لإشراف القهر عليه والطيور هي صفة الانتقام لأن الانتقام يظهر على الحي ، ويصدر منه فعل على الأحياء ولا يقضي بهم هذا الفعل إلى الموت ، قال اللّه تعالى :
لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها
[ فاطر : 36 ] ، وقال تعالى :
لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى
[ طه : 74 ] ، فوجب أن يكون بين الانتقام والمنتقم منه نسبة حياة يكون مدد حياتهم في عين ذلك الانتقام وتعبيرا عنه بالطيور ، لأن الملائكة ذوات القوة يعبر عنها بالطيور ، وأصحاب النار ملائكة ، قال اللّه فيهم :
عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ
[ المدثر : 30 ] ، وليس هذا خروج عن المقصود لأننا إنما أردنا تعدد صفة القوة ومنه الطيور الموصوفة . قوله : ( فمددت يدي لآكل من ثمرها فيبس الماء واستحالت الجواهر ) أقول : معنى قوله : فمددت يدي يريد به أنني أردت التلبس بشيء من القوة إما في المعاش الدنيوي كالمكاسب ، وإما في تقويم الجسد وموجب إرادته للأخذ هو التجزؤ لأن الجزئية التي هي صورة العارف يريد حقها في الظاهر وكمال العارف توجب عليه أن يعطي كل شيء من أعضائه حقه ، بل وأجزائه أيضا . وقوله : ( يبس الماء ) معناه أنه لما اتصف بغاية القوة التي هي الصلابة لم يبق عنده فرق بين أنواع القوة لأنها جعلت له قوة واحدة كاملة في غاية الكمال ، فاتحدت أنواعها في حال جمعيتها له ، وفني الاتحاد إلى حيث انطلق عليها اسم الأحدية ، فلم يبقى عنده أسماء كثيرة ، لأنه اتصف بأوصاف الهوية والهوية من حيث ذاتها لا يجد فيها أشياء كثيرة إذا عريت عن الكثرة يجب أن يعرى عن الأسماء أيضا ، فكأنه لما وصل إلى غاية القوة التي