تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
ومن هنا يقول اللّه تعالى :
حَتَّى نَعْلَمَ
[ محمد : 31 ] وهي كلمة محقّقة المعنى ما هي كما يتوهّمه من ليس له هذا المشرب .
شرح
عليها في وجوده العيني إلى ما لا يتناهى وتحقيق ذلك أن للحق سبحانه بالنسبة إلى العبد عنايتين . أحدهما : بحسب فيضه الأقدس ، وهي تقتضي تعين عينه الثابتة في مرتبة العلم بحيث يصلح لأن يتعلق به علم المخلوق واستعدادها الكلي لفيضان الوجود عليها ، وأحدهما بحسب فيضه المقدس وهي تقتضي فيضان الوجود عليها في العين واستعداداتها الجزئية ليترتب عليها أحوالها التي من جملتها صلاحية انكشاف عينه الثابتة وأحوالها عليه ، ولا شك أنه إذا كوشف العبد بعينه الثابتة وعلم بهذا الكشف أحوالها أنه يأخذ العلم بتلك الأحوال من عينه الثابتة كما يأخذ الحق سبحانه عنها لكن أخذه منها من رزق بهاتين العنايتين من جانب الحق سبحانه وإلى العناية الأولى أشار الشيخ رضي اللّه عنه . واعلم أنه قد وقع في مواضع من القرآن ما يوهم أن علمه سبحانه ببعض الأشياء حادث كقوله سبحانه :وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ[ محمد : 31 ] ، وقوله تعالى :ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً( 12 ) [ الكهف : 12 ] . وأمثال ذلك والتقصي عن هذه الأشكال ، إما بما ذهب إليه المتكلمون من أن علمه سبحانه قديم وتعلقه حادث فمعنى قوله : حتى نعلم حتى يتعلق علمنا القديم بالمجاهدين منكم والصابرين . وإما بأن المراد بالعلم الشهود فإن الأشياء قبل وجودها العيني معلومة للحق سبحانه وبعده مشهودة له فالشهود خصوص نسبة العلم ، فإنه قد يلحق العلم بواسطة وجود متعلقه نسبة باعتبارها نسميه شهودا وحضورا لا أنه حدث هناك علم فمعنى حتى نعلم : حتى نشاهد ، وإما بأن يقال : المسند إليه في قوله : نعلم ليس هو الحق باعتبار مرتبة الجمع بل باعتبار مرتبة الفرق فكأنه يقول : حتى نعلم من حيث ظهورنا في المظاهر الكونية الخلقية فتكون الخلقية وقاية له عن نسبة الحدوث إليه ، وإما بأن يقال : المراد بالتأخر المفهوم من كلمة حتى التأخر الذاتي لا الزماني حتى يلزم الحدوث الزماني وحيث انجرّ الكلام ههنا إلى أن علم الحق سبحانه بأحوال العبد مأخوذ من عينه الثابتة متأخر عنها بالذات أشار الشيخ رضي اللّه عنه إلى أن هذا التأخر هو المصحح لما جاء في القرآن فقال : ( ومن هنا ) ، أي من جهة أن علم الحق سبحانه بأحوال العبد مأخوذ من عينه الثابتة متأخر عنها ( يقول اللّه ) سبحانه : (حَتَّى نَعْلَمَوهي ) ، أي قوله : حتى نعلم ( كلمة محققة المعنى ) ، أي معناه الذي هو تأخر العلم وحدوثه أمر محقق واقع أو معنى حقيقي لا مجازي فإن ذلك التأخر والحدوث هو الذاتي لا الزماني ( ما هي ) ، أي هذه الكلمة لغير هذا المعنى المحقق أو الحقيقي ( كما يتوهمه ) ، أي كمعنى يتوهمه ( من ليس له هذا المشرب ) من المتكلمين وهو أن هذا التأخر والحدوث إنما هو لنسبة تعلق العلم إلى
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 93 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي