فأبرز اللّه ذلك مثالا نصبه لتجلّيه الذّاتي ليعلم المتجلّى له أنّه ما رآه .
وما ثمّة مثال أقرب ولا أشبه بالرّؤية والتّجلّي من هذا . واجهد في نفسك عندما ترى الصّورة في المرآة أن ترى جرم المرآة لا تراه أبدا البتّة حتّى أنّ بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ذهب إلى أنّ الصورة المرئيّة بين بصر الرّائي وبين المرآة .
وهذا أعظم ما قدر عليه من العلم ، والأمر كما قلناه وذهبنا إليه .
وقد بيّنّا هذا في الفتوحات المكيّة .
شرح
فأبرز اللّه ذلك ) ، أي ظهور الصورة في المرآة ( مثالا نصبه لتجليه الذاتي ليعلم المتجلى له أنه ما رآه ) ، أي الذي رآه أو أي شيء رآه على أن تكون « ما » موصولة أو استفهامية ، والذي رأى صورته في الحق والحق في صورته ( وما ثم مثال أقرب ) من الممثل له ( ولا أشبه بالرؤية والتجلي ) الذاتي ( من هذا ) المثال ، وهو ظهور صورتك في المرآة ورؤيتك إياها فيها ( واجهد في نفسك عندما ترى ) ما مصدرية ، أي عند رؤيتك ( الصورة في المرآة ) واستغراق الشهود والرؤية بالصورة المثالية المرئية ( أن ترى جرم المرآة لا تراه أبدا البتة ) إلا عند صرفك النظر إلى الصورة وإعراضك عنها والتفاتك حق المرآة وتحديق النظر فيها إذ الشهود الواحد والإبصار المتعين لا يسع في وقت واحد إلا مشهودا واحدا معينا . وإنما قال : جرم المرآة لأن بعض أحكام المرآة كالصقالة والكدورة والاستواء والانحناء قد يرى ولكن في الصورة ، فالصورة مرآة الأحكام للمرآة كما أن المرآة مرآة لذات الصورة ( حتى أن بعض من أدرك مثل هذا ) الذي ذكرنا ( في صورة المرى ) ، أي في الصورة المرئية فيها من أن الرائي هو الصورة لا المرآة ( ذهب إلى أن الصورة ) المرئية حائلة ( بين بصر الرائي وبين المرآة ) حاجبة عن رؤيته إياها . ( وهذا أعظم ما قدر عليه من العلم ) الحاصل له بالنظر لكنه غير مطلق للواقع فإنه لو كان الأمر كذلك لم يتمكن الرائي من صرف النظر عن الصورة والإقبال على المرآة ( والحق ) في المرآة ( كما قلناه وذهبنا إليه ) في التجلي الإلهي فكما أن المتجلى له ما رأى سوى صورته في مرآة وما رأى الحق ولا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه لا بينه وبين الحق بحيث تكون حاجبة عن رؤية الحق فكذلك الناظر في المرآة ما رأى سوى صورته في المرآة وما رأى المرآة ولا يمكن أن يراها مع علمه أنه ما رأى صورته إلا في المرآة لا بينه وبين المرآة كما توهمه بعض . والفرق بين الوجود الحق والمرآة أن المرآة وإن ليست مرئية عند استغراق الشهود في الصورة المشهودة لكنه يمكن الإعراض عن تلك الصورة والإقبال على المرآة وإدراكها بخلاف الوجود الحق فإنه لا يمكن شهوده من حيث إطلاقه ( وقد بينا هذا ) الذي ذكرنا من المماثلة بين المرآة والحق سبحانه ( في الفتوحات المكية ) .