فالعالم شهادة والخليفة غيب ، ولهذا يحجب السّلطان .
ووصف الحقّ نفسه بالحجب الظّلمانيّة وهي الأجسام الطّبيعيّة الكثيفة ؛ والنّوريّة وهي الأرواح اللطيفة والعقول والنّفوس وعالم الأمر والإبداع .
فالعالم بين كثيف ولطيف ، فلا يدرك الحقّ إدراكه نفسه .
شرح
للمجموع ، وكل تفصيل صورة الإجمال ، وكل صورة فهي شهادة بالنسبة إلى ذي الصورة ، وذو الصورة غيب لها وكذلك كل موجود عيني ، فهو شهادة بالنسبة إلى وجوده العلمي ووجوده العلمي غيب له وإذا عرفت هذا ( فالعالم ) بوجوهه كثيرة تظهر بالتأمل ( شهادة ) بالنسبة إلى الإنسان الكامل ( و ) الإنسان الكامل الذي هو ( الخليفة غيب ) بالنسبة إليه ( ولا ) يخفى أن عالم الملك شهادة مشهودة والخليفة بحسب نشأته العنصرية أيضا غيب لكن من حيث خلافته لا مطلقا فإنه لا يعرفه من هذه الحيثية إلا بعض الخواص من أولياء اللّه سبحانه ( ولهذا ) ، أي لكونه الخليفة غيبا ( تحجب ) السلطان ، لأنه مظهر للخلافة الغيبية في الملك لذلك وجب الانقياد والمطاوعة له .
ولما انساق الكلام إلى ذكر الحجاب أراد أن ينبه على المراد بالحجب الإلهية الواقعة في الكلمات النبوية فقال : ( ووصف الحق نفسه ) شأن نبيه صلى اللّه عليه وسلم ( بالحجب الظلمانية ) ، أي بأن له حجبا ظلمانية ( وعن الأجسام الطبيعية ) عنصرية كانت أو غير عنصرية ( و ) بالحجب ( النورية ) ، أي بأن له حجبا نورية ( وهي الأرواح اللطيفة ) مثالية كانت أو روحية حيث قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن للّه تعالى سبعين ألف حجاب من نور وظلمة » « 1 » الحديث .
( فالعالم ) الذي هو عين تلك الحجب دائر ( بين كثيف ) هو الحجب الظلمانية ( و ) بين ( لطيف ) هو الحجب النورية ( وهو ) ، أي العالم ( عين الحجاب على نفسه ) ، أي الحاجب إياها عن شهود الحق وإن كان عينه ، لأن الحجاب ليس إلا الأجسام الطبيعية والأرواح النورية التي هي عين العالم أو هو عين الحجاب على نفسه ، أي على نفس الحق وذاته يحجبه عن إدراك الحق ذوقا وشهودا ، وإذا كان العالم عين الحجاب فهو يدرك نفسه بلا حجاب ويدرك الحق من وراء حجاب ( فلا تدرك ) أي العالم ( الحق ) إدراكا يماثل ( إدراك ) ، أي إدراك العالم ( نفسه ) فإن إدراكه نفسه إدراك ذوقي شهودي من غير حجاب ، وإدراكه الحق من وراء الحجاب الذي هو عينه أو إدراكا يماثل إدراك الحق نفسه ، فإن إدراك الحق نفسه إنما هو بذاته من غير حجاب ، وإدراك العالم إياه من وراء
هامش
( 1 ) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره ، حديث رقم ( 1957 ) [ 2 / 372 ] وابن حيان الأصبهاني في العظمة ، حديث رقم ( 264 ) [ 2 / 668 ] .