ولهذ قيل فيه الآخر فلو كانت أوليّته أوّليّة وجود التّقييد لم يصحّ أن يكون الآخر للمقيّد لأنّه لا آخر للممكن لأنّ الممكنات غير متناهية فلا آخر لها . وإنّما كان آخرا لرجوع الأمر كلّه إليه بعد نسبة ذلك إلينا ، فهو الآخر في عين أوّليّته والأوّل في عين آخريّته .
ثمّ ليعلم أنّ الحقّ وصف نفسه بأنّه ظاهر وباطن فأوجد العالم عالم غيب وشهادة لندرك الباطن بغيبنا والظاهر بشهادتنا . ووصف نفسه بالرّضاء والغضب .
فأوجد العالم ذا خوف ورجاء فنخاف غضبه ونرجو رضاه .
شرح
شيء ومنتهاه ( ولهذا ) ، أي لأن أوليته ليست بمعنى افتتاح الوجود عن العدم ( قيل فيه الآخر ) ا لمقابل للأوّل ( فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد ) وافتتاح وجود المقيد عن عدم ( لم يصح أن يكون آخرا للمقيد ) بأن ينتهي إليه وجود المقيدات الممكنة ولا يوجد بعده ممكن لا آخر ( لأنه آخر للممكن لأن الممكنات غير متناهية ) وإن كان بحسب النشأة الأخروية ( فلا آخر لها ) وإذا لم يكن لها آخر فكيف يكون سبحانه آخرا لها ( وإنما كان سبحانه آخرا لرجوع الأمر كله ) ، أي أمر الموجود وتوابعه ( إليه سبحانه ) بفناء الموجودات ذاتا وصفة وفعلا في ذاته وصفاته وأفعاله بظهور القيامة الكبرى أو القيامة الدائمة المشاهدة للعارفين ( بعد نسبة ذلك ) الأمر ( إلينا ) ، لأن الوجود وتوابعه كان للّه أوّلا ثم نسب إلينا ثم بعد هذه النسبة مرجع الكل إليه ( فهو الآخر في عين أوليته الأوّل في عين آخريته ) هويته بين الأضداد وهو ظاهر بها أزل الآزال وأبد الآباد .
ولما أشار رضي اللّه عنه فيما تقدم إلى الأوصاف المشتركة بيننا وبين الحق سبحانه خص بالذكر منها الأوصاف المتقابلة ههنا ليفرع عليها بيان المراد من اليدين اللتين توجهتا من الحق على خلق آدم وبنيه على أن في جميع اليدين تشريفا له وليس لإبليس هذه الجمعية فقال : ( لنعلم أن الحق سبحانه وصف نفسه ) ، أي ذاته المطلقة ( بأنه ظاهر ) بظهوره في عالم الشهادة المطلقة التي هي مرتبة الحس ( وباطن ) ببوطنه عنه فالباطن بهذا الاعتبار يشتمل ما عدا مرتبة الحس من المراتب الإلهية والكونية ( فأوجد العالم ) ، أي كل واحد من عالمي الكبير والصغير عالمين ( عالم غيب ) لا يدرك بالحواس الظاهرة ( وعالم شهادة ) يدرك بها ( لندرك ) اسمه ( الباطن بغيبنا ) الذي هو روحه ومداركه الغيبية أو ندرك باطنه وغيبه بالقياس على غيبنا وباطننا ( و ) كذلك ندرك اسمه ( الظاهر بشهادتنا ) ، أي بمشاعرنا الشاهدية أو بأن يدرك شهادتنا فإن شهادتنا شهادة ، أو بالمقايسة ( ووصف نفسه بالرضى والغضب ) حيث قال تعالى :رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ[ المائدة : 119 ] ، وسبقت رحمتي غضبي ( فإذا وجد العالم ) ذا خوف ورجاء ( فنخاف غضبه ونرجو رضاه )