تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
فلا يزال في حجاب لا يرفع ، مع علمه بأنّه متميّز عن موجده بافتقاره إليه ، ولكن لا حظّ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق ، فلا يدركه أبدا ، فلا يزال الحقّ من هذه الحيثيّة غير معلوم علم ذوق وشهود ، لأنّه لا قدم للحادث في ذلك . فما جمع اللّه لآدم بين يديه إلّا تشريفا . ولهذا قال لإبليس :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ ص : 75 ] وما هو إلّا عين جمعه بين الصّورتين ، صورة العالم وصورة الحقّ وهما يدا الحق .
شرح
الحجاب ( فلا يزال ) العالم ( في حجاب ) ، أي في حجاب تعينه وأنيته عن إدراك الحق ( لا يرفع ) ذلك الحجاب عنه بحيث لم يصر مانعا عن الشهود ولم يبق له حكم فيه ، فإنه وإن أمكن أن يرتفع تعينه عن نظر شهودي لكن يكون حكمه باقيا فيه ويكون شهوده بحسبه لا بحسب ما هو المشهود عليه ، فلا يرفع الحجاب بالكلية ( مع علمه ) ، أي العالم ( بأنه متميز عن موجده بافتقاره ) إليه وعدم افتقار موجده إليه لغناه ووجوبه الذاتي فيعلم موجده بعدم افتقاره ووجوبه الذاتي ( ولكن لاحظ له ) ، أي للعالم ( في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق سبحانه فلا يدركه ) ، أي العالم الحق من حيث وجوبه ، أو لوجوب إدراك ذوق وشهود ( أبدا ) ل أن المدرك لا يدرك بالذوق والوجدان إلا نفسه أو ما في نفسه منه شيء ( فلا يزال الحق من هذه الحيثية ) ، أي الوجوب الذاتي أو من أجل هذا الحكم الحقيقي الذي هو أن العالم لاحظ له في الوجوب الذاتي ( غير معلوم علم ذوق وشهود لأنه لا قدم للحادث في ذلك ) يعني الوجوب فلا يدركه إدراك ذوق وشهود نعم يدركه إدراكا تصوريا يكفي في الحكم به على الحق سبحانه . وإذ قد عرفت المعنى المراد من اليدين وجمعهما في خلق آدم ( فما جمع اللّه سبحانه لآدم ) حين خلقه ( بين يديه إلا تشريفا ) وتكريما له من بين سائر الموجودات ( ولهذا ) ، أي لأن هذه الجمعية ليست إلا للتشريف . ( قال سبحانه لإبليس ) توبيخا له :ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ[ ص : 75 ] ، وجعل رضي اللّه عنه اليدين فيما سبق عبارة عن نوعين متقابلين من الصفات الوجوبية الفعلية كما هو الظاهر وجعلهما هنا إشارة إلى معنى آخر بقوله : ( وما هو ) ، أي الجمع بين يديه لآدم ( إلا ) عين ( جمعه ) ، أي اللّه تعالى أو آدم ( بين الصورتين صورة العالم ) ، وهي أحدية جمع الحقائق الكونية القابلة ( وصورة الحق ) ، وهي أحدية جمع الحقائق الإلهية الوجوبية الفاعلة ( وهما ) ، أي هاتان الصورتان : ( يدا الحق ) إحداهما اليد القابلة الآخذة وهي اليسرى ، وإحداهما اليد الفاعلة المعطية ، وهي اليمنى وكلتا يديه يمين مباركة ، وإنما جعلهما يدي الحق لأن كل واحد منهما صورة من صورة تجلياته بها يتم أمر الوجود ، لأنه الذي يتجلى بصورة القابل بأمره والفاعل أحرى ، والفرق بين المعنيين أن الصفات المتقابلة لو خصت هناك بالصفات
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 75 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي