ولا نشكّ أنّا كثيرون بالشّخص والنّوع وأنّا وإن كنّا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعا أنّ ثمّة فارقا به تميّزت الأشخاص بعضها عن بعض ، ولولا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد .
فكذلك أيضا ، وإن وصفناه بما وصف نفسه من جميع الوجوه فلا بدّ من فارق .
وليس إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقّف وجودنا عليه لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه .
فبهذا صحّ له الأزل والقدم الّذي انتفت عنه الأوّليّة التي لها افتتاح الوجود عن عدم فلا تنسب إليه الأوّليّة مع كونه الأوّل .
شرح
دفعه بقوله : ( ولا تشك أنا ) يعني أهل العالم ( كثيرون ) متفاوتون ( بالشخص والنوع ) ، فإن في العالم أنواعا مختلفة ، ولكل نوع أشخاصا متعددة ( وإنا ) يعني الأفراد الإنسانية ( وإن كنا ) مشتملة ( على حقيقة واحدة ) نوعيه ( يجمعنا ليعلم قطعا أن ثمة ) ، أي أشخاص تلك الحقيقة ( فارقا به ) ، أي بذلك الفارق ( تميزت الأشخاص بعضها عن بعض ) ، وإذا لم يجمعنا يعني أهل العلم حقيقة واحدة نوعية فوجود الفارق أظهر ولهذا ما وقع التعريض له ( ولولا ذلك ) الفراق ( ما كانت الكثرة ) بحسب الأفراد متحققة ( في ) النوع ( الواحد ) ، وإذا عرفت أن بين أفراد العالم بل الأفراد الإنسانية فارقا يميز بعضها عن بعض ( فكذلك ) الحال بيننا وبين الحق ( أيضا ) ، فإنه ( وإن وصفنا ) ، أي الحق سبحانه وأعطانا الاتصاف ( بما وصف به نفسه من جميع الوجوه ) ، أي وجوه الصفات وأنواعها أو وجوه الأوصاف القولية والفعلية ( فلا بد من فارق ) بيننا وبينه لا نشاركه ولا يشاركنا فيه أصلا ( وليس ) الفارق من قبلنا الذي خصصنا به دونه ( إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقف وجودنا عليه لإمكاننا ) وتساوي نسبتي الوجود والعدم إلى ذواتنا فلا بد من مرجح . وأما الفارق الذي انفرد به سبحانه ، فهو وجوبه الذاتي ( وغناه عن مثل ما افتقر إليه ) من الموجد ( فبهذا ) الوجوب الذاتي والمعنى : ( صح له الأزل ) ، أي الأزلية ( والقدم ) الذاتي ( الذي انتفت به عنه الأوّلية التي ) ثبت ( بها ) ، أي تلك الأوّلية ( افتتاح الوجود عن عدم ) قال صلى اللّه عليه وسلم : « أوّل ما خلق اللّه العقل » « 1 » ، أي الذي افتتح الوجود بعدم العدم من الوجودات هو العقل ( فلا تنسب إليه تعالى الأوّلية ) بهذا المعنى ، فإنها من سمات الحدوث ( مع كونه الأوّل ) بالأوّلية التي هي عبارة عن كونه مبدأ لما سواه كما أن آخريته عبارة عن كونه مرجع كل
هامش
( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 822 ) [ 1 / 236 ] .