فتحفّظ فقد وعظك اللّه بغيرك ، وانظر من أين أتي على من أتي عليه .
فإنّ الملائكة ، لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحقّ من العبادة الذّاتيّة .
فإنّه ما يعرف أحد من الحقّ إلّا ما تعطيه ذاته . وليس للملائكة جمعيّة آدم .
ولا وقفت مع الأسماء الإلهيّة الّتي تخصّها وسبّحت الحقّ بها وقدّسته ، وما
شرح
( قامت الحجة ) ، أي حجة الحق سبحانه في ادعاء استحقاقه الخلافة حيث قال :إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً( على الملائكة ) القادحين في ذلك الاستحقاق بقوله :أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ[ البقرة : 30 ] ( فتحفظ فقد وعظك اللّه بغيرك ) يعني الملائكة ( وانظر من أين أتى على من أتى عليه ) مبني للمفعول يقال : أتاه وأتى به وأتى عليه ولا يستعمل مبنيا للمفعول إلا في المكاره يريد رضي اللّه عنه إتيان المعاتبة وتوجه المطالبة من قبل الحق سبحانه على الملائكة في اعتراضهم على الحق وجرحهم لآدم وتزكيتهم أنفسهم ثم اعلم أن ههنا أمور ثلاثة :
أحدها : نشأة هذا الخليفة ، وثانيها : حضرة الحق الذي أراد أن يجعله خليفة .
وثالثها : نشأة الملائكة الذين شاورهم في هذا الجعل ، والوقوف مع كل واحد من هذه الأمور والعمل بما يقتضيه منع من الاعتراض على جعله خليفة ، فأراد الشيخ رضي اللّه عنه أن ينبه على أن منشأ اعتراض الملائكة المفضي إلى هذه المعاتبة والمطالبة هو عدم وقوفهم من هذه الأمور والعمل بمقتضاه فقال : ( فإن الملائكة لم تقف ) ، أي لم تتوقف ( مع ما تعطيه ) ، أي تقتضيه ( نشأة هذه الخليفة ) وتجاوزت عن مقتضاها ( ولا وقفت ) الملائكة أيضا ( مع ما تقتضيه حضرة الحق سبحانه ) ويستحقه ( من العبادة الذاتية ) التي هي من مقتضيات ذاته وذوات عبيده سبحانه وهي الانقياد لأمره والخضوع تحت حكمه وإنما لم يقفوا مع ما تقتضيه نشأة هذه الخليفة ولا مع ما يقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية ( فإنه ما يعرف أحد من الحق سبحانه إلا ما تعط ذاته ) من الأسماء التي هو مظهرها ( وليس للملائكة جمعية آدم ) ، أي جامعيته للأسماء كلها فما عرفوا من الحق الأسماء التي تخص آدم وهي الأسماء الثبوتية التشبيهية فما عرفوا من آدم الجمعية الأحدية الكاملية المقتضية لرعاية الأدب معه والنزول إليه والدخول تحت حكمه لا الجرح والطعن فيه ، وانبعث بهم معنى الحسد والتعصب وصار غشاوة بصر بصيرتهم لتقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية فلا جرم تجاوزوا عن مقتضى شأنه ولم ينقادوا لأمر الحق خلافته ( ولا وقفت ) أيضا ( مع الأسماء الإلهية التي تخصها ) ، وهي الأسماء السلبية التنزيهية وتجاوزت عن مقتضاها فإن مقتضاها وهي شطر من الأسماء الإلهية الانقياد لمن نشأته تعمها وغيرها من تلك الأسماء ( وسبحت ) الملائكة ( الحق ) سبحانه