لأنّه تعالى الحافظ به خلقه كما يحفظ الختم الخزائن فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلّا بإذنه ، فاستخلفه في حفظ العالم فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل .
شرح
لئلا يتصرف فيها أحد فيبقى محفوظا وكذلك الإنسان الكامل هو محل نفوس الأسماء الإلهية وعلامة أحدية جمعها التي بها تستحق أن يختم به على خزائنه الدنيا والآخرة ( وسماه ) الحق سبحانه ( خليفة ) حيث قال تعالى :إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً[ البقرة :
30 ] ( من أجل هذا ) ، المعنى الذي هو الختم ( لأنه ) أي الإنسان الكامل لكونه ختما أو الحق سبحانه بالإنسان الكامل الختم ( هو الحافظ خلقه ) وإلى الأوّل ينظر قوله : ( كما يحفظ الختم الخزائن ) من التصرف فيها ( فما دام ختم الملك عليها لا يجسر ) ، أي لا يجترىء ( أحد على فتحها ) ، أي فتح تلك الخزائن والتصرف فيها ( إلا بإذنه ) ، أي الملك وكذلك ما دام الإنسان الكامل في العالم لا يتسلط حقائق المباينة التي في حقائق خزائن العالم على فتحها والتصرف فيها إلا بإذن الحق سبحانه ( فاستخلفه ) أي الحق سبحانه الإنسان الكامل ( في حفظ العالم ) من الخلل الذي تقتضيه التفرقة والمباينة التي في حقائق العالم من الخصوصيات التي بها يتميز بعضها عن البعض ( فلا يزال العالم محفوظا ) من هذا الخلل ( ما دام فيه هذا الإنسان الكامل ) وكان قائما بخلافة الحق سبحانه في حفظ العالم فإذا أذن لهذا الإنسان الكامل بالخروج عن الدنيا وأمره الانفكاك عن خزينتها إلى الأخرى خربت الخزينة وانتهب ما فيها ، وحفظ العالم عبارة عن إبقاء صون أنواع الموجودات على ما خلقت عليها الموجب لبقاء كمالاتها وآثارها باستمداده من الحق التجليات الذاتية والرحمة الرحمانية والرحيمية بالأسماء والصفات التي هي الموجودات صارت مظاهرها ومحل استوائها .
اعلم أن النشأة الدنيوية الحسية بمنزلة خزانة اختزن الحق سبحانه فيها الحقائق الإمكانية المظهرية والحقائق الأسمائية الإلهية الظاهرة بها ولا شك أن كل واحدة من تلك الحقائق الإمكانية عبارة عن أحدية جمع حقائق بسيطة متباينة متمايزة مقتضية بذاتها الافتراق فالامتياز كما كانت في الرتب العلمية متحدة بالوجود الواحد الذي يقتضي بذاته الوحدة وزوال الكثرة ، وباعتبار هذا الوجود الواحد ظهر بعضها متبوعا وبعضها تابعا ، وبعد اتحادها بالوجود الواحد صارت حقيقة مظهرية تظهر فيها الأسماء الإلهية بحسب قابليتها واستعدادها وجمعيتها ، ولما كان الكون الجامع والإنسان الكامل أحدية جمع جميع الحقائق الإمكانية المظهرية ، وكان المقصود الأصلي والغاية القصوى من إيجادها وجوده العنصري ، الذي هو مظهر أحدية جميع الحقائق الإلهية كان وصول الإمداد الإلهي والتجلي الوجودي إلى الحقائق المظهرية كلها قبل وجوده العنصري بواسطته ومن مرتبته ، وبعد وجوده العنصري فوض ذلك الإمداد إليه بأن وقع التجلي الأحدي الوجودي