تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
ابتدأ منه . فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم ، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصّورة . وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصّورة الّتي هي صورة العالم المعبّر عنه في اصطلاح القوم ب : « الإنسان الكبير » . فكانت الملائكة له كالقوى الرّوحانيّة والحسّيّة الّتي هي النّشأة الإنسانيّة . وكلّ قوة محجوبة بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها . وأنّ فيها فيما تزعم ، الأهليّة لكلّ منصب عال ومرتبة رفيعة عند اللّه لما عندها
شرح
آخرا ( كما ابتدأ منه ) عند الوجود عن عدم أوّلا ( فاقتضى الأمر ) جواب لما وإلقاء لبعد العهد ، أي اقتضى الأمر المذكور من المشبه والتسوية وكون شأن الحكم الإلهي ما ذكر ( جلاء مرآة العالم ) ونفخ الروح في صورته المسوّاة ( فكان آدم ) بوجوده العيني ( جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة ) ، ولما انجرّ كلامه رضي اللّه عنه إلى أن آدم روح صورة العالم أراد أن يبين نسبة الملائكة القادحين في خلافته إلى صورة العالم ومنشأ محجوبيتهم عن إدراك كماله ليكون توطئة للتنبيه على خطابهم في ذلك القدح كما سيجيء عن قريب قال : ( وكانت الملائكة ) القادحون في خلافة آدم وهي ما عدا الجبروت والنفوس المجردة ( من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم ) الصوفية المحققين ( بالإنسان الكبير ) صورة كما يعبرون عن الإنسان بالعالم الصغير صورة ، وذلك لأن النشأة الواحدة تفصيلها العالم وإجمالها الإنسان ، وإنما قلنا صورة لأن الأمر بحسب المرتبة بالعكس ، فإن للخليفة استعلاء على المستخلف عليه وإنما قال رضي اللّه عنه : من بعض قوى تلك الصورة ، لأن لها قوى أخر : كالجن والشياطين ( فكانت الملائكة القوى الروحانية ) من المتخيلة والمتفكرة والحافظة والذاكرة والعاقلة ( والحسية ) كالباصرة والسامعة والشامة والذائقة واللامسة ( التي هي النشأة الإنسانية ) فكما أن النفس الناطقة تدبر البدن بواسطة هذه القوى كذلك النفس الكلية تدبر العالم كله بواسطة الملائكة ( وكل قوّة ) من تلك القوى الملكية ( محجوبة بنفسها ) عن معرفة فضيلة الجمعية الإنسانية الكمالية ( لا ترى ) ذاتا ( أفضل من ذاتها ) بل ترى ذاتها أفضل مما عداها ( وإن فيها ) بالهمزة المكسورة عطف على جملة كل قوّة ، ومشعر بتعليل مضمونها ، والضمائر كلها راجعة إلى القوة ، وصححها القيصري بفتح الهمزة وجعلها معطوفة على أفضل من ذاتها والضمير للنشأة الإنسانية ولكن يأبى عنه قوله : ( فيما تزعم ) ، أي أن كل قوّة في زعمها لا في الواقع ( الأهلية لكل منصب عال