الفيض التّجلّي الدائم الذي لم يزل ولا يزال .
وما بقي ثمّة إلّا قابل ، والقابل لا يكون إلّا من فيضه الأقدس .
فالأمر كلّه منه ابتداؤه وانتهاؤه :
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ
[ هود : 123 ] كما
شرح
وقال الشيخ مؤيد الدين الجندي رحمه اللّه في قوله : وعبر عنه ، يعود الضمير إلى الروح لا بمعنى أن الروح هو النفخ بل بمعنى أن اللّه تعالى ذكر تعين الروح في المحل بعد التسوية بهذه العبارة فقال تعالى :وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي[ الحجر : 29 ] ، ( وما هو ) أي النفخ ( إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسوّاة ) وفيه أيضا مسامحة ، فإن حصول الاستعداد ملزوم للنفخ لا عينه وجعله للقبول يأبى عنه قوله : لقبول الفيض وللتسوية قوله : المسوّاة ، وجعله الشيخ الجنيد رحمه اللّه تعالى لسان الحكم الإلهي ، وفيه بعد واللام في قوله : ( لقبول الفيض ) متعلق بالاستعداد وقوله : ( التجلي الدائم الذي لم يزل ) ، أي من الأزل ( ولا يزال ) ، أي إلى الأبد بدل من الفيض بدل الكل ، والفيض مفعول للقبول وفاعله الصورة المسوّاة . ومعنى قبولها الفيض أعني التجلي المذكور ، وإن كانت موجودة إن ذلك المتجلي هيولاني الوصف وإنما يتعين ويتقيد بحسب المتجلى له ، فإذا كان المتجلى له عينا ثابتة غير موجودة يكون هذا التجلي بالنسبة إليه تجليا وجوديا ، وإن كان وجودا خارجا كالصورة المسوّاة يكون التجلي بالنسبة إليها بالصفات وتفيد صفة غير الوجود كصفة الحياة ههنا .
وفي بعض النسخ فيض التجلي بدون اللام فالإضافة بيانية والمعنى ما سبق أولا منه ، والفيض عبارة عما يفيد التجلي المذكور للصور المسوّاة من صفة الحياة ، وعن الروح المفاض إليها المتعلق بها ، ونصب التجلي الدائم على أن يكون مفعولا للقبول ، والفيض فاعلا له لا تظهر صحة معناه إلا بتكلف وتعسف ، ولما كان أمر الوجود دائرا بين الفاعل والقابل والفعل والأثر واستناد كل من الفاعل والفعل والأثر إلى الحق سبحانه ظاهر مما سبق ، فلم يبق غير مستند إليه سبحانه إلا القابل أعني الأعيان الثابتة القابلة من الفاعل الحق وتجليه الدائم الذي هو فعله قبض الوجود فلذا قال : ( وما بقي ) غير مستند إلى الحق سبحانه ( إلا قابل ) وهو الأعيان الثابتة القابلة للتجلي الوجودي الدائم ( والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس ) من شوائب الكثرة وهو عبارة عن التجلي الحبي الذاتي الموجب لوجود الأشياء واستعداداتها في الحضرة العلمية ، والفيض المقدس عبارة عن التجلي الوجودي الموجب لظهور ما تقتضيه تلك الاستعدادات في الخارج ( فالأمر ) ، أي من أمر الوجود ( كله منه ) ، أي من الحق سبحانه ( ابتداؤه ) بحسب فيضه الأقدس وتجلية تصور الأعيان الثابتة في العلم ( و ) منه ( انتهاؤه ) أيضا بحسب فيضه المقدس وتجلية تصوّر الأعيان الموجودة في العين ( وإليه يرجع الأمر كله ) بالفناء فيه