فإنّ رؤية الشّيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة ؛ فإنّه تظهر له نفسه في صورة يعطيها المحلّ المنظور فيه ممّا لم يكن يظهر له
شرح
بالكون الجامع ( سره ) أي سر الحق وهو أسماؤه المستكنة في غيب ذاته ( إليه ) ، أي إلى الحق سبحانه ويحتمل أن يكون قوله : يظهر به بالنصب عطفا على يرى ، ويكون قوله :
لكونه موجودا متعلقا بقوله : يرى على أنه علة مصححة للرؤية ، فإن الشيء ما لم يكن موجودا لم تصح رؤيته ، فتعلق المشيئة الذي هو المعنى المقصود الأصلي والعلة الغائية من اتحاد العالم ظهور الحق سبحانه في هذا المظهر الجامع وشهوده فيه شؤونه وصفاته على وجه ينصبغ كل منها بأحكام الآخر كما مر .
اعلم أن رؤية الحق سبحانه أعيان الأسماء في الكون الجامع ينبغي أن يكون غير العلم بها ، فإن العلم بها ثابت أزلا وأبدا لا احتياج فيه إلى مظهر ولا سبق مشيئة ، فالمراد بها : إما العلم بعد الوجود فيكون التغير في المعلوم لا في العلم ، فالعلم بالشيء قبل وجوده علم وبعد وجوده رؤية وشهود ، وليس فيه مزيد فائدة ، وأما الإبصار إما نظرا إلى مقام الجمع على أن يثبت البصر للحق سبحانه مغايرا لنسبة العلم سواء كانت صفة وجودية أو نسبة اعتبارية ، فالشيء قبل وجوده معلوم وبعد وجوده مرئي مبصر ، فإن الشيء ما لم يوجد لم يبصر ، وإما نظرا إلى مقام الفرق فتكون الأشياء مرئية للحق سبحانه باعتبار ظهوره في المظاهر فيكون رائيا في المظاهر ، كما أنه مرئي فيها فإن قلت : أعيان الأسماء أمور معقولة فكيف تتعقل الرؤية لها ، قلت ذلك إنما هو باعتبار اتحاد المظاهر بالمظهر فإن قلت : بعض المظاهر أيضا غير مدركة بالبصر كالمجردات ، قلت : إذا كان البصر مستندا إلى مقام الجمع فيمكن أن لا يكون مشروطا بأن يكون المبصر ماديا ، وإذا كان مستندا إلى مقام الفرق فيمكن أن يكون المراد به قوة العلم والحضور سواء كان بالبصر أو البصيرة ، فإن قلت : أعيان بعض الأسماء وآثارها إنما تدرك بسائر القوى كالسمع واللمس والذوق والشم والقوى الباطنة ، فما وجه التخصيص بالرؤية . قلت :
المراد بالرؤية : إما الإحساس مطلقا بل الإدراك بعد الوجود أو ترك ما عداها ، لأنه يعرف بالمقايسة . ولما كان لقائل أن يقول : إن الحق سبحانه كان يعلم الأسماء وأعيانها ويراها ويشاهدها أزلا في مجلى التعيين الأوّل والثاني من غير وجود الكون الجامع في الخارج ، فأي حاجة إلى وجوده علل المشيئة دفعا لذلك بقوله : ( فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ) من غير توسط ظهوره في المظهر ( ما هي ) أي تلك الرؤية ( مثل رؤية نفسه في أمر آخر يكون ) هذا الأمر ، أي كذلك الشيء ( كالمرآة ) لانطباع صورته فيه ( فإنه ) ، أي ذلك الشيء حين يظهر في المظهر ( تظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه ) بحسب قابليته لتجليه ( مما لم يكن ) ، أي من صورة لم تكن ( يظهر ) هذه الصورة ( له ) ، أي لذلك