تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
من غير وجود هذا المحلّ ولا تجلّيه له . وقد كان الحقّ أوجد العالم كلّه وجود شبح مسوّى لا روح فيه ، فكان كمرآة غير مجلوّة ومن شأن الحكم الإلهي أنّه ما سوّى محلّا إلّا ولا بدّ أن يقبل روحا إلهيّا عبّر عنه بالنّفخ فيه ؛ وما هو إلّا حصول الاستعداد من تلك الصّورة المسوّاة لقبول
شرح
الشيء بنفسه ( من غير وجود هذا المحل ) المنظور فيه ( ولا تجليه ) ، أي تجلي ذلك الشيء ( له ) ، أي لهذا المحل . ولما كان الرائي ههنا هو الحق سبحانه عبر عن التقابل بالتجلي ، وقرأ بعضهم : ولا تجلية بالتاء على وزن تفعلة ، أي ومن غير تجلية للمحل من الجلاء ثم إنه كذلك القائل أن يعود ويقول : كما كان الحق سبحانه يعلم نفسه بدون الكون الجامع كذلك كان تعليمها ما يلحقها عند ظهورها فيه ، فأي حاجة إلى وجوده فعلة المشيئة في الحقيقة هي الرؤية المغايرة للعلم على أي وجه كانت لا غير ، لا يقال : يلزم من ذلك استكماله سبحانه بغيره ، لأنه يقال : هذا الشيء له كالمرآة من مظاهره التي ليست غيره مطلقا بل من وجه لا يخفى ما في هذا الجواب ، فإن مرآتية هذا الشيء إنما هي من جهة المغايرة ، فيلزم الاستكمال به من حيث إنه غير ويعود المحذور ، فالحق في الجواب أن يقال : إن للحق سبحانه كمالين : ذاتيا وإسميا . وامتناع استكماله بالغير إنما هو في الكمال الذاتي لا الأسمائي ، فإن ظهور أيام لأسماء تمتنع بدون المظاهر الكونية ، ولما بين رضي اللّه عنه تعلق المشيئة بوجود الكون الجامع أردفه بذكر وجود شرائط وجوده بل موجباته بجملة حالية ، فقال : ( وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله ) ، أي أفاض على أعيانه الثابتة وجودا يماثل ( وجود شبح مسوّى ) معدل ( لا روح فيه ) ، فإن كلّا من الموجودين يستتبع وجود أمر آخر فوجوب العالم يستتبع الكون العالم ، ووجود الشبح المسوّى يستتبع وجود الروح ونفخه فيه ( فكان ) ، أي العالم بلا وجود الكون الجامع الذي هو بمنزلة الروح له ( كمرآة غير مجلوة ) ، لأن الروح للشبح المسوّى بمنزلة الجلاء للمرآة إذ بهما كمالهما ، ثم أنه رضي اللّه عنه بين حال الممثل به ليعلم حال الممثل له فقال : ( ومن شأن الحكم الإلهي ) وإجراء سنته ( أنه تعالى ما سوّى محلا ) ، أي مزاجا يصلح لفيضان الروح عليه ، وإنما قيدنا بذلك ليصح قوله لا بد وأن يقبل روحا إليها ، فإن تسوية بعض المحال كموضوعات الأعراض لا تستتبع الروح الإلهي ( إلا ولا بد أن يقبل روحا إلهيا ) يتكون عند التسوية ويتعلق بالمسوّى كالأرواح الجزئية لجمهور الناس أو يتخلق به عند التسوية بعدما كان موجودا قبلها كالأرواح الكلية يتكمل من أولياء اللّه تعالى ( عبر عنه ) ، أي عن ذلك القبول ( بالنفخ فيه ) ، أي في المحل المسوّى وفيه مسامحة ، لأن قبول الروح لازم للنفخ لا عينه ، فاللائق به أن يجعل عبارة عن إفاضة الروح ، لا عن قوله لأن النفخ صفة النافخ لا المنفوخ فيه .