تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
فحركة الإنسان مستقيمة وحركة الحيوان أفقيّة وحركة النّبات منكوسة ؛ وليس للجماد حركة من ذاته : فإذا تحرّك حجر فإنّما يتحرّك بغيره . وأمّا قوله : « وجعلت قرّة عيني في الصّلاة » - ولم ينسب الجعل إلى نفسه - فإنّ تجلّي الحقّ للمصلّي إنّما هو راجع إليه تعالى لا إلى المصلّي . فإنّه لو لم يذكر هذه الصّفة عن نفسه لأمره بالصّلاة على غير تجلّ منه له . فلمّا كان منه ذلك بطريق الامتنان ، كانت المشاهدة بطريق الامتنان . فقال : وجعلت قرّة عيني في الصّلاة . وليست قرّة عينه إلّا مشاهدة المحبوب الّتي تقرّ بها عين المحبّ ، من الاستقرار
شرح
( وليس للجماد ) إذا خلي وطبعه من غير أن أخرجه قاصر من حيزه ( حركة من ذاته ) ولهذا انحصرت الحركات الطبيعية في الثلاث ( فإذا تحرك حجر ) إما بتحريك قاسر عن حيزه أو مثلا إما بحركته إلى حيزها ، بعد ذلك التحريك ( فإنما يتحرك بغيره ) لا بذاته . ثم اعلم أن الحركات الثلاث التي للمصلي في صلاته إنما هي إشارة إلى حركات الوجود الساري في حقائق العالم ، إما لنقلها من العدم إلى الوجود وذلك حركة منكوسة من أعلى عليين أعني التعبير الأول من أسفل سافلين أعني وجود الإنسان بصورته العنصرية ، وإما لإيصالها وإرجاعها إلى انتشائه ولا يتصور ذلك إلا في الإنسان فإن في استعداده الرجوع إلى ما ابتدأ عنه وذلك حركة مستقيمة من أسفل سافلين إلى أعلا عليين ، وإما لإيصال كل حقيقة من الحقائق الآفاقية إلى كمالها اللائق بها وذلك حركة أفقية عرضية لا طولية ولا يبعد أن يجعل قول الشيخ رضي اللّه عنه : وليس للجماد حركة إيماء إلى أن القعدة الأخيرة من الصلاة التي لا حركة فيها المنطوية على التشهد إشارة إلى أعلا مراتب الشهود الذي هو مستقر الكمل حيث لا يتحركون عنها ولا يفارقونها أبد الآبدين واللّه تعالى أعلم . ( وأما قوله ) ، أي حكمة قوله : ( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) ، حيث أتى بصيغة الفعل المبني للمفعول ( ولم ينسب الجعل إلى نفسه فأن تجلي الحق ) بفتح الهمزة جواب أما أي الحكمة فيه أن تجلى الحق ( للمصلي إنما هو راجع إليه تعالى لا إلى المصلي فإنه ) ، أي الحق سبحانه ( لو لم يذكر هذه الصفة عن نفسه ) ، ولم يظهر بها والمراد بها ذكره للعبد بتجليه عليه عند سؤاله والثناء عليه ( لأمره بالصلاة من غير تجل فلما كان منه ذلك ) ، أي ذكره للعبد بالتجلي ( بطريق الامتنان كانت المشاهدة ) ، المترتبة عليه أيضا ( بطريق الامتنان فقال : وجعلت قرة عيني في الصلاة ) من غير أن يكون لنفسه دخل في هذا الجعل سوى استعداده الراجع إلى الفيض الأقدس ( وليس ) ، أي قرة العين ( إلا مشاهدة المحبوب التي تقر بها عين