فتستقرّ العين عند رؤيته فلا تنظر معه إلى شيء غيره في شيء وفي غير شيء .
ولذلك نهي عن الالتفات في الصّلاة ، فإن الالتفات شيء يختلسه الشّيطان من صلاة العبد فيحرمه مشاهدة محبوبه . بل لو كان محبوب هذا الملتفت ، ما التفت في صلاته إلى غير قبلته بوجهه .
والإنسان يعلم حاله في نفسه هل هو بهذه المثابة في هذه العبادة الخاصّة أم لا ، فإنّ
الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ( 14 ) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
( 15 ) [ القيامة : 14 - 15 ] فهو يعرف كذبه من صدقه في نفسه ، لأنّ الشّيء لا يجهل حاله فإنّ حاله له ذوقيّ .
شرح
المحب ) ، والقرة إما من المقر يعني البرد فتكون قرة عينه كناية عن المسرة فإن عين المسرور تبرد لقرار باطنه وعين المهموم تسخن لاضطراب باطنه . وإما من القرار فيكون المراد بقرة العين ما تستقر عليه العين .
ولما كان المشهور أن قرة العين مأخوذة من القر بمعنى البرد كما ذكرنا أراد رضي اللّه عنه أن يشير إلى جواز أخذها من القرار فإنه أنسب بالمقام وألطف فقال : ( من الاستقرار فتستقر العين عند رؤيته فلا تنظر معه إلى شيء غيره ) ، سواء كانت تلك الرؤية ( في شيء ) من المجالي الصورية كما تجلى لموسى عليه السلام في صورة النار ولنبينا صلى اللّه عليه وسلم في صورة شاب أمرد ( وفي غير شيء ) من تلك المجالي كما في التجليات الذاتية الذوقية المعنوية .
( ولذلك نهى عن الالتفات في الصلاة فإن الالتفات شيء يختلسه الشيطان من صلاة العبد فيحرمه ) الشيطان ( مشاهدة محبوبه ) في زمان الالتفات ( بل لو كان ) الحق ( محبوب هذا ) المصلي ( الملتفت ) على صيغة اسم الفاعل ( ما التفت ) في صلاته ( إلى غير قبلته بوجهه ) الباء متعلقة بالالتفات أي ما التفت بوجهه ولا صرفه إلى غير قبلته التي هي مشاهدة محبوبه إذ ليس من شأن المحب أن يصرف نظره عن مشاهدة محبوبه عند تيسرها .
( والإنسان ) وإن لم يزل يظهر حاله عند الناس على أحسن وجه ويلقى معاذيره فيما يظهر لديهم من النقائص لكنه ( يعلم حاله في نفسه هل هو بهذه المثابة في هذه العبادة الخاصة أم لا ؟ فإن الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره فهو يعرف كذبه من صدقه في نفسه ) ، عندما يظهر حاله إلى الناس ( لأن الشيء ) ، أي شيء كان ( لا يجهل حاله فإن حاله له ذوقي ) ، أي إدراك حاله له ذوقي وجداني لا حاجة فيه إلى أمر خارج عنه فكيف يفارقه ، وهذا التعميم بناء على أن العلم لازم للوجود ، فكل ما اتصف بالوجود اتصف