تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
أعيانها وإن شئت قلت أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر كلّه . لكونه متّصفا بالوجود ، ويظهر به سرّه إليه .
شرح
حقه سبحانه إذ ليس لديه تردد ولا إمكان حكمين مختلفين بل لا يمكن غير ما هو المعلوم المراد في نفسه . فإن قلت : فكيف يصح قولهم إن شاء أوجد العالم وإن شاء لم يوجد قلت : صدق الشرطية لا يقتضي صدق المقدم أو إمكانه ، فقوله : إن لم يشاء غير صادق بل غير ممكن . فإن قلت : قد قال بعضهم في قوله تعالى :أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ، أي ظل التكوين على المكوناتوَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً[ الفرقان : 45 ] ، ولم يمده فإن الحق لو لم يشاء إيجاد العالم لم يظهر ، وكان له أن لا يشاء فلا يظهر ، قلت : هذا إما لنفي الإيجاب المتوهم للعقول الضعيفة ، وإما باعتبار أنه سبحانه باعتبار ذاته الأحدية غني عن العالمين ، فإذا نظر العقل إلى غناه وعدم اقتضائه لذاته أحد المتقابلات حكم بأن له أن لا يشاء وجود العالم فلم يظهر العالم ، وأما إذا نظر إلى علمه الشامل حكم بعدم مشيئته بل بعدم إمكانها ( من حيث أسمائه ) كلها ( الحسنى ) أي المتناسبة في بلوغها إلى مرتبة الكمال وترتب آثارها عليها ( التي لا يبلغها الإحصاء ) والعد من حيث جريانها وإن كانت كلياتها منحصرة في تسعة وتسعين أو ألف وواحد ؛ وإنما قيد بالحيثية ، لأن ذات الحق سبحانه باعتبار إطلاقها له مرتبة الغنى عن العالمين ليس نسبته اقتضاء شيء من العالم ، ومشيئته إليها أولى من نسبة عدمها ، وباعتبار تقيدها ببعض الأسماء لا يقتضي المظهر الجامع بل ما يكون مظهرا له فقط ، فاقتضاؤها المظهر الجامع لا يكون إلا من حيث جميع أسمائها الحسنى ؛ فلهذا قيد المشيئة بهذه الحيثية ( أن يرى أعيانها ) المتمايزة بعضها عن بعض في التعقل وذلك باعتبار مرتبة الواحدية ( وإن شئت قلت أن يرى عينه ) المتحدة الغير المتميز فيها اسم عن اسم وذلك باعتبار مرتبة الأحدية ويمكن أن يقال : تجويز العبارتين إنما هو بالنسبة إلى المرتبة الواحدية ، فإن للأسماء فيها اعتبارين ، أحدهما : اعتبار وحدة الذات وثانيهما : اعتبار كثرة النسب والاعتبارات ، فالعبارة الأولى بملاحظة الاعتبار الثاني والثانية بملاحظة الأوّل ( في كون ) أي ما كون ( جامع ) وحداني يظهر فيه اسم وشأن وصفة بصورة الجمع وصفه وحكمه بحيث يضاهي الشأن الكلي الذي هو التعيين الأوّل . وهذه الجمعية إنما تكون بأمرين ، أحدهما : اشتماله على الأسماء كلها بحيث لا يشذ شيء منها ، وثانيهما : صلاحية مظهريته بها كلها ، فإن مجرد الاشتمال لا يستلزم صلاحية المظهرية وإلا لكان كل موجود مظهرا جامعا وإلى الأوّل أشار بقوله : ( يحصر الأمر ) أي أمر الأسماء كلها ، وعلله بقوله : لكونه ( متصفا بالوجود ) لأن اتصافه بالوجود إنما يكون بتجلي الوجود يرى فيه بأحدية جمع جميع شؤونه وأسمائه وإلى الثاني مما عطف عليه أعني قوله ( ويظهر به ) ، أي