تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
فمن حيث إنه إلهيّ بالأصالة كلّه طيّب : فهو طيّب ؛ ومن حيث ما يحمد ويذمّ فهو طيّب وخبيث . فقال في خبث الثّوم هي شجرة أكره ريحها ولم يقل أكرهها . فالعين لا تكره ، وإنّما يكره ما يظهر منها . والكراهة لذلك إمّا عرفا أو بعدم ملاءمة طبع أو غرض أو شرع ، أو نقص عن كمال مطلوب وما ثمّ غير ما ذكرناه . ولمّا انقسم الأمر إلى خبيث وطيّب كما قرّرناه ، حبّب إليه الطّيّب دون الخبيث ووصف الملائكة بأنّها تتأذّى بالرّوائح الخبيثة لما في هذه النّشأة العنصريّة من التّعفين فإنّه مخلوق من صلصال من حمأ مسنون أي متغيّر الرّيح ، فتكرهه الملائكة بالذّات .
شرح
( فمن حيث هو إلهي ) منسوب إلى اللّه ( بالأصالة كله طيب فهو ) بهذا الاعتبار ( طيب ومن حيث ما يحمد ) بعضه ( ويذم ) بعضه لانتسابه إلينا ( فهو طيب وخبيث فقال ) صلى اللّه عليه وسلم ( في خبث الثوم هي شجرة أكره ريحها ولم يقل أكرهها ، فالعين لا تكره وإنما يكره ما ظهر عنها والكراهة لذلك ) ، أي لما يظهر منها ( إما ) واقعه ( عرفا ) ، وعادة بأن تكون هذه الكراهة مجرد الاعتياد ومشاهدة عرف أبناء زمانه من غير ملاحظة غرض صحيح كما هو المشاهد من تلبس أهل كل بلد بنوع من اللباس يكره غيره ( أو بعدم ملائمة طبع ) ، أي بسبب عدم ملائمته لطبع الكاره كالأعمال البدنية التي يكرهها لما في طبعه وجبلته من الكسل والبطالة ( أو ) بسبب عدم ملائمته ( غرض ) بأن لا يكون موافقا لغرض إنكاره كالحريص على اكتساب المال والجاه فإنه يكره كل أمر يعوقه عن ذلك الاكتساب ( أو ) بسبب عدم ملاءمة ( شرع ) ، أي حكم شرعي كبعض المنكرات الشرعية التي يكرهها الشرع ، كما أنها موافقة لطبعه ( أو نقص عن كمال مطلوب ) عطف على عدم ملاءمة طبع ، أي أو يكون مبدأ الكراهة بسبب نقص المكروه عن الكمال المطلوب منه كما يكره بعضنا بعضا لجهله وعدم اتصاله بالأخلاق المرضية والأفعال الحسنة ( وما ثم ) شيء يكون سببا لكراهة ( غير ما ذكرناه ) من الأسباب الخمسة . ( ولما انقسم الأمر إلى خبيث وطيب كما قررناه حبب إليه الطيب دون الخبيث ) تحببا إلهيا لا حبا طبيعيا ( ووصف ) النبي صلى اللّه عليه وسلم ( الملائكة بأنها تتأذى بالروائح الخبيثة ) وهذا مبدأ كراهتهم الإنسان ( ثم لما في هذه النشأة العنصرية ) الإنسانية ( من التعفين فإنه مخلوق من صلصال ) وهو الطين الجاف المنتن ( من حمأ ) وهو الطين الأسود المنتن ( مسنون ، أي متغير الريح فتكرهه الملائكة بالذات ) لصفاء روحانيتها عن الأمور المذكورة ؛ ولذلك أمرنا بطهارة الثوب والبدن ودوام الوضوء واستعمال الروائح الطيبة لتحصيل المناسبة بيننا وبين الملائكة فيلحق بالطيبين وذلك لتضرر الأمور المتقابلة بعضها
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 523 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي