بينهما كآدم بين الذّات الموجود هو عنها وبين حواء الموجودة عنه ، وإن شئت قلت الصّفة فمؤنثة أيضا ، وإن شئت قلت القدرة فمؤنّثة أيضا ، فكن على أيّ مذهب شئت ، فإنك لا تجد إلّا التّأنيث يتقدّم حتّى عند أصحاب العلّة الّذين جعلوا الحقّ علّة في وجود العالم والعلّة مؤنّثة .
وأمّا حكمة الطّيب وجعله بعد النّساء فلما في النّساء من روائح التّكوين ، فإنّه أطيب الطّيب عناق الحبيب . كذا قالوا في المثل السائر .
ولمّا خلق عبدا بالأصالة لم يرفع رأسه قطّ إلى السّيادة ، بل لم يزل ساجدا واقفا مع كونه منفعلا حتّى كوّن اللّه عنه ما كوّن . فأعطاه رتبة الفاعليّة في عالم الأنفاس الّتي هي الأعراف الطّيّبة . فحبّب إليه الطّيب : فلذلك جعله بعد النّساء .
شرح
تأنيث غير حقيقي والطيب مذكر بينهما كآدم بين الذات الموجود هو عنها أو بين حواء الموجودة عنه ، وإن شئت قلت الصفة ) ، كالعلم والإرادة والقدرة ( فمؤنثة أيضا ، وإن شئت قلت : القدرة فمؤنثة أيضا ، فكن على أي مذهب شئت فإنك لا تجد إلا التأنيث يتقدم حتى عند أصحاب العلة الذين جعلوا الحق علة في وجود العالم ) ، وهم الحكماء وفي التعبير عنهم بأصحاب العلة إيهام لطيف . ( والعلة مؤنثة . وأما حكمة ) جعل ( الطيب ) مما أحب صلى اللّه عليه وسلم ( وجعله بعد النساء ) في الذكر مبنيا على تأخيره في الرتبة ، أما الأولى ( فلما في النساء من روائح التكوين ) ، متضاعفة أي تكوين اللّه إياها في أنفسها وتكوين الأولاد منها وفيها مرتبة ، وأما روائحه فالنفحات الجودية والأنفاس الرحمانية الوجودية التي تشم منها من حيث أنفسها ومن حيث أولادها الذين منهم الطيبون والطيبات ، فكما وجدت النساء بمقتضى قوله : حبب إليّ النساء مرتبة المحبوبين له صلى اللّه عليه وسلم كذلك الروائح الطيبة الفائحة منهن عند لقائها وعناقها صارت محبوبة ( فإن أطيب الطيب عناق الحبيب ) ، أي ما يثمر عناقه ( كذا قالوا في المثل السائر ) ، وحيث حبب إليه تلك الروائح بتبعية النساء حبب إليه كل طيب يكون وراءها لأنه صورتها ، وأما الثاني فلأن النساء في أصل جبلتهن للقابلية والانفعال عما فوقهن .
( و ) النبي صلى اللّه عليه وسلم ( لما خلق عبدا بالأصالة ) ، أي منفعلا متأثرا عن سيده ومولاه في أصل جبلته ( لم يرفع رأسه قط إلى السيادة ) ، التي هي الظهور بالفعل والتأثير ( بل لم يزل ساجدا ) ، على جهة عبوديته ( واقفا مع كونه منفعلا ) غير متحاذر عنه أصلا ( حتى كوّن اللّه عنه ما كوّن فأعطاه رتبة الفاعلية والتأثير في عالم النفوس ) ، حتى أتى بجوامع الكلم ( التي هي الأعراف الطيبة ) ، المتأخرة عن مرتبة عبديته ( فحبب إليه الطيب ، فلذلك ) ، أي ترتب الأعراف الطيبة المرتبة على رتبة فاعليته المتأخرة عن جهة عبوديته التي هي القابلية