وأمّا قوله :
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ
[ غافر : 85 ] إلّا قوم يونس ، فلم يدلّ ذلك على أنّه لا ينفعهم في الآخرة بقوله في الاستثناء إلّا قوم يونس .
فأراد أنّ ذلك لا يدفع عنهم الأخذ في الدّنيا ، فلذلك أخذ فرعون مع وجود الإيمان منه .
هذا إن كان أمره أمر من تيقّن بالانتقال في تلك السّاعة . وقرينة الحال تعطي أنّه ما كان على يقين من الانتقال أنّه عاين المؤمنين يمشون على الطّريق اليبس الّذي ظهر بضرب موسى بعصاه البحر . فلم يتيقّن فرعون بالهلاك إذ آمن ، بخلاف المحتضر حتى لا يلحق به .
شرح
من آمن عند اليأس من غير أن يقع في الغرغرة ويرى العذاب الآخر وبأسها نافع في الآخرة وإن يكن نافعا في الدنيا فقال : ( وأمّا قوله تعالى ) في سورة المؤمن : (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ) [ غافر : 85 ] وكذا قوله مع الاستثناء في سورة يونس فلو لا كانت قرية آمنت ، يعني عند رؤية العذاب فنفعها إيمانها ( إلا قوم يونس فلم يدل ذلك ) المذكور من الآيتين ( على أنه ) ، أي إيمانهم عند البأس ( لا ينفعهم في الآخرة ) وعدم هذه الدلالة إنما هو ( بقوله ) ، أي بدليل قوله ( في الاستثناءإِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) ، فإنه لما استثناهم في عدم انتفاعهم بالإيمان عند رؤية البأس بين انتفاعهم بالإيمان عند رؤية البأس بقوله :لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْياولا يلزم من ذلك عدم انتفاعهم ، أي انتفاع المستثنى والمستثنى منه جميعا به في الآخرة ولما كان عدم انتفاع المستثنى منهم بالإيمان في الحياة الدنيا مقطوعا به بمقتضى الآيتين بخلاف عدم انتفاعهم به في الآخرة .
حملها الشيخ رضي اللّه عنه على ما هو مقطوع به فقال ( فأراد ) الحق ( أن ذلك ) ، أي الإيمان عند رؤية البأس ( لا يرفع عنهم الأخذ في الدنيا فلذلك ) ، أي لأجل أنه لا يرفع العذاب في الحياة الدنيا ( أخذ فرعون مع وجود الإيمان منه هذا إن كان أمره ) ، أي أمر فرعون ( أمر من تيقن بالانتقال ) من الدنيا إلى الآخرة ( في تلك الساعة وقرينه الحال تعطى أنه كان على يقين من ذلك الانتقال ، لأنه عاين المؤمنين يمشون في الطريق اليبس الذي ظهر بضرب موسى بعصاه البحر فلم يتيقن فرعون الهلاك إذا آمن بخلاف المحتضر ) ، أي حين آمن إيمانا ملتبسا بمخالفة إيمان المحتضر فإن إيمانه لم يكن على تيقن من الهلاك بخلاف المحتضر فإنه على تيقن من الهلاك وإنما آمن على هذه الصفة ( حتى لا يلحق به ) ، أي بالمحتضر في عدم قبول إيمانه .