تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
فآمن بالّذي آمنت به بنو إسرائيل على التّيقّن بالنّجاة ، فكان كما تيقّن لكن على غير الصّورة الّتي أراد ، فنجّاه اللّه من عذاب الآخرة في نفسه ، ونجّا بدنه كما قال تعالى :
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً
[ يونس : 92 ] . لأنّه لو غاب بصورته ربّما قال قومه احتجب . فظهر بالصّورة المعهودة ميّتا ليعلم أنّه هو . فقد عمته النّجاة حسّا ومعنى . ومن حقّت عليه كلمة العذاب الأخراوي لا يؤمن ولو جاءته كلّ آية حتّى يروا العذاب الأليم ، أي يذوقوا العذاب الأخراوي . فخرج فرعون من هذا الصّنف . هذا هو الظّاهر الّذي ورد به القرآن . ثمّ إنّا نقول بعد ذلك والأمر فيه إلى اللّه ، لما استقرّ في نفوس عامّة الخلق من شقائه ، وما لهم نصّ في ذلك يستندون إليه . وأمّا آله فلهم حكم آخر ليس هذا موضعه . ثمّ ليعلم أنّه لا يقبض اللّه أحدا إلّا وهو مؤمن أي مصدّق بما جاءت به الأخبار الإلهيّة : وأعني من المختضرين ولهذا يكره موت الفجأة وقتل الغفلة .
شرح
( فآمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل على التيقن بالنجاة فكان ) ، أي حصل ( الأمر ) ، أي النجاة ( كما تيقن به لكن على غير الصورة التي أراد ) ، فإنه أراد النجاة من عذاب الدنيا ( فنجاه اللّه من عذاب الآخرة في نفسه ) ، أي روحه حين وفقه للإيمان ( ونجى بدنه عن الغرق ) بقذفه إلى الساحل ( كما قال تعالى :فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةًلأنه لو غاب بصورته ربما قال قومه : احتجب ) عن الأبصار فارتقى إلى السماء أو غاب بنوع آخر على ما اعتقدوه بالألوهية ( فظهر بالصورة المعهودة ميتا ليعلم أنه هو فقد عمته النجاة حسا ) من حيث بدنه ( ومعنى ) من حيث نفسه وروحه ( ومن حقت عليه كلمة العذاب الأخروي لا يؤمن ولو جاءته كل آية ) ، كأبي جهل فإنه قال لقاتله : قل لصاحبك يعني محمدا صلى اللّه عليه وسلم : ما أنا بنادم على مخالفتك في هذه الحال أيضا (حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ *، أي يذوقوا العذاب الأخروي فخرج فرعون من هذا الصنف . هذا هو الظاهر الذي ورد به القرآن ثم إنا نقول بعد ذلك والأمر فيه ) موكول ( إلى اللّه لما استقر في نفوس عامة الخلق من شقائه وما لهم نص في ذلك ) ، أي في شقائه ( يستندون إليه ) في إثبات الشقاء له ( وأما آله فلهم حكم آخر ليس هذا موضع ذكره . ثم ليعلم أنه ما يقبض اللّه أحدا إلا وهو مؤمن أي مصدق بما جاءت به الأخبار الإلهية وأعني بذلك من المحتضرين ) ، الذين حضرهم الموت واقفون عليه حاضرون به ( ولهذا يكره موت الفجأة وقتل الغفلة ) .