تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
والأرجل وصلب بعين حقّ في صورة باطل لنيل مراتب لا تنال إلّا بذلك الفعل . فإنّ الأسباب لا سبيل إلى تعطيلها لأنّ الأعيان الثّابتة اقتضتها ؛ فلا تظهر في الوجود إلّا بصورة ما هي عليه في الثّبوت إذ لا تبديل لكلمات اللّه . وليست كلمات اللّه سوى أعيان الموجودات ، فينسب إليها القدم من حيث ثبوتها وينسب إليها الحدوث من حيث وجودها وظهورها كما تقول حدث اليوم عندنا إنسان أو ضيف ولا يلزم من حدوثه أنّه ما كان له وجود قبل هذا الحدوث . ولذلك قال تعالى في كلامه العزيز أي في إتيانه مع قدم كلامه :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ
( 2 ) [ الأنبياء : 2 ]
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ
( 5 ) [ الشعراء : 5 ] . والرّحمن لا يأتي إلّا بالرّحمة . ومن أعرض عن الرّحمة استقبل العذاب الّذي هو عدم الرّحمة .
شرح
لفرعون فقطع الأيدي والأرجل وصلب بعين حق في صورة باطل ) فإن من جملة ما تعينت به عين الحق صورة الباطل . قال الشيخ أبو مؤيد الدين قدس اللّه سره : لا تذكر الباطل في طوره فإنه بعض ظهوراته ( وذلك ) القطع والصلب إنما هو ( لنيل مراتب لا تنال إلا بذلك الفعل ) أما من طرف فرعون ليظهر بحكمه وسلطنته لينقاد لها الآخرون وأما من طرف السحرة ليصلوا إلى الدرجات العالية والمراتب الكمالية وإنما لا تنال تلك المراتب إلا بالفعل ( فإن ) ذلك الفعل من قبيل الأسباب لها وأن ( الأسباب لا سبيل إلى تعطيلها لأن الأعيان الثابتة ) المرتبط بعضها ببعض بالسببية والمسببية في الثبوت العلمي ( اقتضتها فلا تظهر في الوجود ) العيني ( إلا بصورة ما هي عليه في الثبوت ) العلمي فكل مسبب يكون مرتبطا بسبب في الثبوت العلمي لا يتحقق في الوجود العيني إلا به ( إذ لا تبديل لكلمات اللّه ، وليست كلمات اللّه سوى أعيان الموجودات فينسب إليها القدم من حيث ثبوتها ) ، في الحضرة العلمية ( وينسب إليها الحدوث من حيث وجودها ) في المراتب الوجودية ( وظهورها فيها كما تقول : حدث اليوم عندنا إنسان زائر أو ضيف ولا يلزم من حدوثه أنه ما كان له وجود قبل هذا الحدوث لذلك قال تعالى في كلامه العزيز أي في ) شأن ( إتيانه مع قدم كلامه ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ) ، أي محدث إتيانه به وكذلك قوله تعالى : ( ووَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ( 5 ) [ الشعراء : 5 ] ، والرحمن سبحانه لا يأتي إلا بالرحمة ومن أعرض عن الرحمة استقبل العذاب الذي هو عدم الرحمة ) ثم إنه لما ذكر الحكم والأسرار التي تضمنتها الآيات الواردة في شأن موسى وفرعون أراد أن يبين أن مثل هذا الإيمان أي إيمان فرعون وغيره
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 499 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي