تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 495

مساهمون:

ص٤٩٥
عقل وتقييد وحصرتم الحقّ فيما تعطيه أدلّة عقولكم فظهر موسى بالوجهين ليعلم فرعون فضله وصدقه ، وعلم موسى أنّ فرعون علم ذلك - أو يعلم ذلك لكونه سأل عن الماهيّة ، فعلم أنّه ليس سؤاله على اصطلاح القدماء في السؤال بما ، فلذلك أجاب فلو علم منه غير ذلك لخطّأه في السّؤال . فلمّا جعل موسى المسؤول عنه عين العالم ، خاطبه فرعون بهذا اللسان والقوم لا يشعرون . فقال له :
لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
[ الشعراء : 29 ] . والسّين في « السّجن » من حروف الزّوائد : أي لأسترنّك فإنّك أجبتني بما أيّدتني
شرح
الثاني : إن كنتم من أهل عقل وتقييد وحصرتم الحق فيما تطلبه أدلة عقولكم ) والسر في أن الكشف والوجود يعطي الإطلاق والعقل التقييد ، أن صاحب الكشف يعرف الحق أولا على ما هو على من القدس والإطلاق ويتنزل من معرفته إلى معرفة مظاهره المقيدة ، فهو يعرف الأشياء بالحق لا الحق بالأشياء . وأما العقل فلا يعرف الحق إلا بالأشياء والأشياء مقيدات لا تعطي إلا التقييد ، كما أنك إذا لم تعرف زيدا أو وصل إليك كتابه فما تعرفه إلا بكونه كاتبا فهذه المعرفة لا تعطي إلا التقييد ، بخلاف ما إذا عرفت زيدا أولا بما هو عليه في نفس الأمر فتنزل من معرفته إلى معرفة كمالاته ، فلا شك أن لا تقيده بالكتابة إذا كان هناك كمالات أخر ، فإن قلت : كما من الاثنين يحتمل الإطلاق والتقييد فلو حملتم الآية الأولى على الإطلاق الذي هو مقتضى الكشف والوجود ، والثانية على التقييد الذي هو مقتضى العقل . قلنا : لئلا يلزم التكرار في الجواب فإنه لا يناسب الكمال الموسوي والقرينة على ذلك قوله :إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَوإِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. ( فظهر موسى بالوجهين ) : الكشفي والعقلي ( ليعلم فرعون فضله وصدقه ) في ادعائه الرسالة ( وعلم موسى أن فرعون علم ذلك أو ) من شأنه ( أنه يعلم ذلك لكونه سأل عن الماهية فعلم موسى أن سؤاله ليس على اصطلاح القدماء في السؤال بما ؛ فلذلك أجاب بالوجهين ) : الكشفي والعقلي . ( فلو علم منه غير ذلك لخطأه في السؤال ) ، فإن تمكين المخطىء على الخطأ في قوة الخطأ حاشاه من ذلك فعلم من تمكين موسى له أن له علما بذلك . ( فلما جعل موسى المسؤول عنه ) يعني رب العالمين ( عين العالم ) بلسان التوحيد وفرعون من العالم ( خاطبه فرعون بهذا اللسان والقوم لا يشعرون فقال له :لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ( 29 ) [ الشعراء : 26 ] والسين في « السجن » من حروف الزوائد ) ، فلم يبق فيه من الحروف الأصلية إلا ما هو مادة الجنون أعني الجيم والنون ، وهذا الستر وإن لم يكن مضاعفا فإن اعتبار ذلك إنما يكون في لسان العبارة ، وأما في لسان الإشارة فيكفي في الدلالة على المعنى المشار إليه بعض حروف اللفظ الدال عليه فلا يعتبر الوضع الاشتقاق فيه كمن فهم من سعتر اسع ترى فوجد وجدا عظيما ، فلهذا
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 495 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي