يكون على حقيقة في نفسه . وأمّا الّذين جعلوا الحدود مركّبة من جنس وفصل ، فذلك في كلّ ما يقع فيه الاشتراك ، ومن لا جنس له لا يلزم أن لا يكون على حقيقة في نفسه لا تكون لغيره . فالسّؤال صحيح على مذهب أهل الحقّ والعلم الصّحيح والعقل السّليم ، والجواب عنه لا يكون إلّا بما أجاب به موسى عليه السّلام .
وهنا سرّ كبير ، فإنّه أجاب بالفعل لمن سأل عن الحدّ الذّاتي ، فجعل الحدّ الذّاتي عين إضافته إلى ما ظهر به من صور العالم ، أو إلى ما ظهر فيه من صور العالم . فكأنّه قال له في جواب قوله :
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
[ الشعراء : 23 ] قال الّذي يظهر فيه صور العالمين من علو - وهو السماء - وسفل - وهو الأرض -
إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
[ الشعراء : 24 ] أو يظهر هو بها .
شرح
يكون ) المطلوب ( على حقيقة في نفسه . وأما الذين جعلوا الحدود مركبة من جنس وفصل ، فذلك في كل ما يقع فيه الاشتراك ) ، في الجنس فيحتاج إلى الفصل المميز ( ومن لا جنس له ) ولا فصل ( لا يلزم أن لا يكون على حقيقة في نفسه لا تكون ) تلك الحقيقة ( لغيره فالسؤال صحيح على مذهب أهل الحق والعلم الصحيح والعقل السليم والجواب عنه لا يكون إلا بما أجاب به موسى عليه السلام ) ، فإن تعريف البسائط لا يكون إلا بلوازمها البينة ( وهنا ) ، أي هذا السؤال والجواب ( سر ) مستور عن نظر العقل ( كبير ) جليل قدره فإنه حقيقة مسألة التوحيد ومخها وهو أن رب العالمين عين العالم والعالم عينه ( فإنه ) ، أي موسى ( أجاب بالفعل ) ، أي بفعل الربوبية التي ليست الأظهر والرب بصورة المربوب ( لمن سأل عن الحد الذاتي فجعل الحد الذاتي عين إضافته ) ، أي إضافة الحق معبرا عنه بالرب يعني جعله عين الرب المضاف ( إلى ما ظهر ) الحق ( به من صور العالم أو ما ظهر فيه من صور العالم ) ، فيكون الظاهر صور العالم والوجود الحق مظهرا ومرآة لها ، ( فكأنه ) ، أي موسى ( قاله له ) ، أي لفرعون ( في جواب قوله :وَما رَبُّ الْعالَمِينَقال ) تأكيد القال الأول : رب العالمين هو ( الذي يظهر فيه صور العالمين من علو وهو السماء ) ، أي سماء الروحانيات المجردة ( وسفل وهو الأرض ) ، أي أرض الجسمانيات المادية السافلة ( وما بينهما ) ، أي البرزخ الجامع بينهما وهو عالم المثال المطلق والمقيد ( إن كنتم موقنين ) ، أي أصحاب إيقان شهودي ولا تقييد في هذا الشهودفإن الصور لا تقيد المرآة فإن المرآة تسعها وغيرها . ( أو يظهر هو ) ، أي الحق ( بها ) ، وفيها ولا بد حينئذ من تقييد فإن الحق لا يظهر في مرآى الصور الكونية إلا بقدرها وحسب استعدادها ، فالآية باعتبار هذا المعنى من قبيل الجواب الثاني ؛ فلهذا أخر قوله :
أو يظهر هو بها عن قوله :إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ[ الشعراء : 24 ] . ولما سمع فرعون هذا الجواب قال لمن حوله : ألا تستمعون فتهيؤوا لسماع كلامهم ، فلذلك عدل إلى