فلمّا قال فرعون لأصحابه :
إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ
[ القلم : 51 ] كما قلنا في معنى كونه مجنونا .
زاد موسى في البيان ليعلم فرعون مرتبته ( * ) في العلم الإلهيّ لعلمه بأنّ فرعون يعلم ذلك فقال :
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
فجاء بما يظهر ويستتر وهو الظّاهر والباطن ، وما بينهما وهو قوله :
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ البقرة : 29 ] .
إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
[ الشعراء : 28 ] أي إن كنتم أصحاب تقييد ؛ فإنّ العقل يقيّد .
فالجواب الأوّل جواب الموقنين وهم أهل الكشف والوجود . فقال لهم :
إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
[ الشعراء : 24 ] أي أهل كشف ووجود ، فقد أعلمتكم بما تيقّنتموه في شهودكم ووجودكم .
فإن لم تكونوا من هذا الصّنف ، فقد أجبتكم في الجواب الثّاني إن كنتم أهل
شرح
مخاطبتهم ومؤداه مؤدى الجواب الأول .
وقالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ( 26 ) [ الشعراء : 26 ] ، فإن المشار إليه بآبائهم كماله دخل في وجودهم من السماوات والأرض وما بينهما فمرجع هذا الخطاب إلى ذلك الجواب ولهذا أطواه الشيخ رضي اللّه عنه عن البين وقال : ( فلما قال فرعون لأصحابه :إِنَّهُ لَمَجْنُونٌكما قلنا في معنى كونه مجنونا ) ، أي مستورا عنه علم ما سئل عنه ( زاد في البيان موسى ليعلم فرعون رتبته في العلم الإلهي لعلمه بأن فرعون يعلم ذلك ) ، أي العلم الإلهي ( فقالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِفجاء بما يظهر ) ، وهو المشرق فإنه موضع ظهور النيران فنبه به على كل ما ظهر من عالم الشهادة وهو الاسم الظاهر ( وبما يستر ) .
وفي النسخة المقروءة عليه نفعنا اللّه وما ستر من الثلاثي على صيغة المجهول وهو المغرب فإنه موضع استتارات النيرات ، فنبه على كل ما بطن من عالم الغيب وهو الاسم الباطن وإلى هذين الاسمين أشار بقوله : ( وهو ) ، أي ما يظهر وما يستر ( الظاهر و ) الاسم ( الباطن ) المذكوران في قوله تعالى :هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ[ الحديد : 3 ] ( و ) رب ( ما بينهما ) ، أي بين المشرق والمغرب ( وهو ) ، أي ما يدل على ما بين الظاهر والباطن في الآية المذكورة . ( قوله :وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فإن الشيء متناول لما بين الظاهر والباطن كما هو متناول لهما (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، أي إن كنتم أصحاب تقييد فإن للعقل التقييد ) .
وفي النسخة المقروءة : فإن العقل يقيد ( فالجواب الأول جواب الموقنين وهم أهل الكشف والوجود فقال لهم : إن كنتم موقنين ، أي أهل كشف ووجود فقد أعلمتكم بما تيقنتموه في شهودكم ووجودكم ، فإن لم تكونوا من هذا الصنف فقد أجبتكم في الجواب