الفهم ؛ كما نبّه عليه السّلام على هذه الرّتبة في العطايا فقال : « إنّي لأعطي الرّجل وغيره أحبّ إليّ منه مخافة أن يكبّه اللّه في النّار » .
فاعتبر الضّعيف العقل والنّظر الّذي غلب عليه الطّمع والطّبع .
فكذا ما جاؤوا به من العلوم جاؤوا به وعليه خلعة أدنى الفهوم ليقف من لا غوص له عند الخلعة ، فيقول ما أحسن هذه الخلعة ! ويراها غاية الدّرجة . ويقول صاحب الفهم الدّقيق الغائص على درر الحكم - بما استوجب هذا - « هذه الخلعة من الملك » . فينظر في قدر الخلعة وصنفها من الثّياب ، فيعلم منها قدر من خلعت عليه ، فيعثر على علم لم يحصل لغيره ممّن لا علم له بمثل هذا .
شرح
ما سمع الكلام الملقى إلى العامة الحقائق بضرب من الإشارات الخفية التي لا يفهمها العامة ( فلا تعتبر الرسل ) في خطاباتهم ( إلا العامة لعلمهم بمرتبة أهل الفهم ) ، فاكتفوا في مخاطبتهم بإشارة غامضة وتنبيهات خفية منطوية تحت ما ألقوا إليّ العامة ( كما نبه صلى اللّه عليه وسلم على هذه المرتبة في العطايا وقسمتها فقال : إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه مخافة أن يكبه ) ، أي يلقي ( اللّه ) ذلك الرجل على وجهه ( في النار ) لو لم أعطه ( فاعتبر ) رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قسمة العطايا ( الضعيف العقل والنظر الذي غلب عليه الطمع والطبع ) إما بفتح الباء أي الذين أشار إلى قوله :طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ[ النحل : 108 ] كما قال :بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ[ المطففين : 14 ] أو بسكونها وبه قيد النسخة المقروءة عليه رضي اللّه عنه هوى الطبع فهو بحكمه لا بحكم الشرع على الطبع فكما اعتبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الضعيف العقل في العطايا .
( فكذا ما جاؤوا ) ، أي الأنبياء ( به من العلوم جاؤوا به وعليه خلعة أدنى الفهوم ) ، أي خلعة يصل أدنى المفهوم إلى ما تحتها في أول مرتبة ( ليقف من لا غوص له عند الخلعة فيقول : ما أحسن هذه الخلعة ويراها غاية الدرجة ) ، هذا مثال لعلماء الظاهر وإرسال إلى علماء الباطن بقوله : ( ويقول صاحب الفهم الدقيق الغائص على درر الحكم ) ، عند الخوض في بحور معانيه ( بما استوجب هذا ) ، أي بموجب استحقاقه هذا القول ( هذه الخلعة من الملك ) هذا مقول القول ( فينظر ) بعد هذا القول ( في قدر الخلعة وصنفها ) بين الخلع والفصاحة والبلاغة وغيرهما وصنفها ( من الثياب ) أعربية هي أم سريانية أو غيرهما ( فيعلم منها قدر من خلعت عليه ) من الحقائق والدقائق ( فيعثر على علم لم يحصل لغيره ممن لا علم له بمثل هذا ) الذي ذكر من قدر الخلعة وصنفها وقدر من خلعت عليه .