تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
بذلك . والحكمة قد تكون متلفّظا بها وقد تكون مسكوتا عنها . مثل قول لقمان لابنه :
يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ
[ لقمان : 6 پ ] . فهذه حكمة منطوق بها ، وهي أن جعل اللّه هو الآتي بها ، وقرّر ذلك اللّه في كتابه ، ولم يردّ هذا القول على قائله . وأمّا الحكمة المسكوت عنها وقد علمت بقرينة الحال ، فكونه سكت عن المؤتى إليه بتلك الحبّة ، فما ذكره وما قال لابنه يأت بها اللّه إليك ولا إلى غيرك ، فأرسل الإتيان عاما وجعل المؤتى به في السّموات إن كان ، أو في الأرض تنبيها لينظر النّاظر في قوله :
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ
[ الأنعام : 3 ] .
شرح
بذلك ) ، أي بكونه ذا الخير الكثير . ( والحكمة قد تكون متلفظا بها ) كالأحكام الشرعية ( وقد يكون مسكوتا عنها ) كالأسرار الإلهية المستورة عن غير أهلها فالمنطوق بها ( مثل قول لقمان لابنهيا بُنَيَّ إِنَّها) ، أي القصة (إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ) بالرفع كما هو قراءة نافع وحينئذ كان تامة وتأنيثها لإضافة المثقال إلى الحبّة (مِنْ خَرْدَلٍ) ، أي مقدار ما هو أصغر المقادير التي توزن بها الأشياء من جنس الخردل الذي هو أصغر الحبوب المقتاتة (فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ) ، هي أصلب المركبات وأشدها منعا لاستخراج ما فيها (أَوْ فِي السَّماواتِ) مع بعدها (أَوْ فِي الْأَرْضِ) مع طولها وعرضها (يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) [ لقمان : 16 ] للاعتداء بها ( فهذه حكمة منطوق بها وهي أن جعل ) ، أي لقمان ( اللّه هو الآتي بها وقرر اللّه ذلك في كتابه ولم يرد هذا القول على قائله ) لا عقلا ولا شرعا . ( وأما الحكمة المسكوت عنها وقد علمت بقرينة الحال فكونه سكت على المؤتى إليه بتلك الحبة فما ذكره ولا قال لابنهيَأْتِ بِهَا اللَّهُإليك وإلى غيرك فأرسل الإتيان عاما ) ، غير مخصوص معين بتعين المؤتى إليه كما بين الآتي ، وهو سبحانه والمأتي به وهو مثقال حبة من خردل ( وجعل المؤتى به في السماوات إن كان ) فيها (أَوْ فِي الْأَرْضِتنبيها لينظر الناظر في قوله : وهو اللّه في السماوات وفي الأرض ) ، حين يتنبه له وينتقل إليه من قوله :أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِوشاهد سريان هويته العينية بأحدية جمعها الأسمائية في جميع الموجودات العلوية والسفلية والروحانية والجسمانية فيعلم من ذلك أن الحق عين كل موجود عيني . ولما وقعت الإشارة من الحكمة أعني الحكمة المسكوت عنها إلى ما يقابل الموجودات العينية أعني الموجودات العلمية الغير الخارجة من العلم إلى العين ، فإنها في حكم المسكوت عنها حيث لم تذكر بالذكر الوجودي ولا شك أن موجود الموجودات