الفصّ اللّقماني 23 - فص حكمة إحسانية في كلمة لقمانية
إذا شاء الإله يريد رزقا * له فالكون أجمعه غذاء
وإن شاء الإله يريد رزقا * لنا فهو الغذاء كما يشاء
شرح
فص حكمة إحسانية في كلمة لقمانية لما كان لقمان عليه السلام آتاه اللّه الحكمة والإحسان ، فعل ما ينبغي فعله لما ينتهي كما ينبغي وهو من لوازم الحكمة سميت حكمته إحسانية ونسبت إليه ( إذا شاء الإله يريد رزقا . . له فالكون أجمعه غذاء ) له .
اعلم أن المشيئة توجه الذات الإلهية نحو حقيقة الشيء ونفسه اسما كان ذلك الشيء أو صفة أو ذاتا ، والإرادة تعلق الذات الإلهية بتخصيص أحد الجائزين من طرفي الممكن أعني وجوده وعدمه فعلى هذا إذا توجهت الذات الإلهية نحو صفة الإرادة واقتضت تعلقها بأحد طرفي الممكن كما هو مقتضاها لا يبعد أن يسمى ذلك التوجه والاقتضاء مشيئة الإرادة ، فهذا وجه تعلق المشيئة بالإرادة ، فمعنى البيت إذا توجهت الذات الإلهية نحو صفة الإرادة لتتعلق بتخصيص وجود الرزق وترجيحه على عدمه ليكون رزقا للّه تعالى ، فالكون أي المكونات بأجمعها غذاء له سبحانه ، وإنما كانت المكونات غذاء له ، لأنه تعالى من حيث أسماؤه وصفاته لا يظهر في الأعيان إلا بها ، كما أن ذات المغتذي لا تنمو إلا بالغذاء ، فظهور أسمائه وصفاته بالمكونات بمنزلة نماء المغتذي فإنهما يشتركان في معنى الزيادة على الذات ، وإذا كان الفعل الذي وقع في بيان معنى الإحسان منقسما إلى الفرائض والنوافل ، والفرائض تورث قربا يكون العبد فيه باطنا والحق ظاهرا ، والنوافل تورث قربا يكون الحق فيه باطنا والعبد ظاهرا ونسبة الباطن إلى الظاهر حيث كان نسبة العبد إلى المغتذي ، فتارة يكون العبد رزقا للحق وتارة يكون الحق رزقا للعبد ، فلا يبعد أن يكون هذا البيت إشارة إلى قرب الفرائض الذي يكون الحق فيه ظاهرا والعبد باطنا ، كما لا يبعد أن يكون البيت الثاني إشارة إلى قرب النوافل الذي يكون العبد فيه ظاهرا والحق باطنا ، فقوله : يريد رزقا مفعول المشيئة بحذف أن الناصبة وأثرها ( وإن شاء الإله يريد رزقا . . لنا فهو الغذاء كما يشاء ) لاختفائه بصورتنا كما أن الغذاء يختفي بصورة المغتذي ، لأن إيجاده للموجودات ليس إلا اختفاءه بصورتها