وما يصفونه إلّا بما تعطيه عقولهم . فنزّه نفسه عن تنزيههم إذ حدّدوه بذلك التّنزيه ، وذلك لقصور العقول عن إدراك مثل هذا .
ثمّ جاءت الشّرائع كلّها بما تحكم به الأوهام . فلم تخل عن صفة يظهر فيها .
كذا قالت ، وبذا جاءت . فعملت الأمم على ذلك فأعطاها الحقّ التّجلّي فلحقت بالرّسل وراثة ، فنطقت بما نطقت به رسل اللّه .
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
ف
اللَّهُ أَعْلَمُ
موجّه له وجه بالخبريّة إلى رسل اللّه ، وله وجه بالابتداء إلى
أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
. وكلا الوجهين حقيقة فيه
شرح
ولا يصفونه إلا بما تعطيه عقولهم ) ، من الصفات التنزيهية ( فنزه نفسه عن تنزيهم إذ حدوده بذلك التنزيه ) وجعلوه متميزا عن الأشياء محدودا بتمايزه عنها ، ( وذلك ) التحديد ( لقصور العقول ) ، من حيث أنظارها الفكرية ( عن إدراك مثل هذا ) الذي ذكرناه من اشتمال كل تنزيه على تشبيه وكل تشبيه على تنزيه فهو سبحانه مشبه في مجالي صفاته كما أنه منزه في حقيقة ذاته
( ثم جاءت الشرائع كلها بما تحكم به الأوهام ) ، من التشبيه ( فلم يخل ) من الإخلاء ، أي لم تخل الشرائع ( الحق سبحانه عن صفة يظهر فيها ) ، أي من شأنه الظهور فيها في الصفات التشبيهية التي تنفيها العقول بنظرها الفكري بل ذكر الكل بعضها بالصريح وبعضها بالمقايسة كالاستواء على العرش والاختصاص بالفوقية وإثبات بعض الجوارح كاليد وغيرها من القوى ( كذا قالت ) الشرائع ( وبذا جاءت فعملت الأمم ) ، أي جرت ( على ذلك فأعطاها الحق التجلي ) في الصور التشبيهية ( فلحقت ) ، أي الأمم ( بالرسل وراثة ) لا أصالة ( فنطقت ) ، أي الأمم ( بما نطقت به رسل اللّه ) من صفتي التنزيه والتشبيه (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) [ الأنعام : 124 ] أصالة ووراثة ولما ذكر رضي اللّه عنه هذا الكلام على سبيل الاقتباس من قوله تعالى :وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ[ الأنعام : 124 ]اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُأراد أن يبين فيه ما تحتمله من صورتي التنزيه والتشبيه تأكيدا لما هو بصدد بيانه فقال : ( فاللّه ) في اللّه ( أعلم ) في الآية المذكورة ( موجه له ) وجهان : ( وجه بالخبرية إلى رسل اللّه ) بأن يكون المسند إليه في أوتي ضمير الرسول ورسل اللّه مبتدأ واللّه أعلم خبره وأَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُخبر مبتدأ محذوف ، أي هو أعلم ، ولا يخفى ما في حمل اللّه على رسل اللّه من التشبيه ( وله وجه بالابتداء إلى أعلم حيث يجعل رسالاته ) كما هو الظاهر من غير تكلف ولا تشبيه في هذا المعنى ، بل فيه تمييز بين اللّه ورسله وهو عين التنزيه ( فكلا الوجهين ) حقيقة تأتيه متحققة ( فيه ) ، أي في هذا الكلام لا تفاوت بينهما في أصل