تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
عليا ، فهو في قلب الأفلاك ساكن وهو فلك الشّمس ، ثمّ بعث إلى قرية بعلبك ، وبعل اسم صنم ، وبك هو سلطان تلك القرية . وكان هذا الصّنم المسمّى بعلا مخصوصا بالملك وكان إلياس الذي هو إدريس قد مثّل له انفلاق الجبل المسمّى لبنان - من اللّبانة وهي الحاجة - عن فرس من نار ، وجميع آلاته من نار . فلمّا رآه ركب عليه فسقطت عنه الشّهوة ، فكان عقلا بلا شهوة ، فلم يبق له تعلّق بما تتعلّق به الأغراض النّفسيّة .
شرح
لأن نوح ابن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ ، وأخنوخ هو إدريس عليه السلام . وقيل : هو الذي تسميه الحكماء هرمس الهرامسة ( ورفعه اللّه ) حين غلبت نشأته الروحانية على الجسمانية ( مكانا عليا فهو في قلب الأفلاك ساكن وهو فلك الشمس ثم بعث ) بنزوله من السماء كنزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان كما أخبر به نبينا صلى اللّه عليه وسلم ( إلى قرية بعلبك وبعل اسم صنم وبك هو سلطان تلك القرية وكان هذا الصنم المسمى بعلا مخصوصا بالملك وكان إلياس الذي هو إدريس ) ، أي حي يدعى بإدريس ( قد مثل له ) في عالم المثال المطلق أو المقيد ( انفلاق الجبل المسمى لبنان ) ، وهو من جبال الشام ( من اللبانة وهي الحاجة عن فرس من نار وجميع آلاته ) ، مما لا بد منه في الركوب ( من نار فلما رآه ) معدا للركوب ( ركب عليه فسقطت عنه الشهوة ) أي شهوة جذب المحبوب ودفع المكروه فيشمل الغضب أيضا ( فكان ) ، أي صار ( عقلا بلا شهوة فلم يبق له تعلق بما تتعلق به الأغراض النفسية ) ، من جذب الطبيعة ما هو محبوب للنفس ودفع ما هو مكروه له ، ولا شك أن كل ما يتمثل في العالم المثالي بصورة من الصور لا بد له من تأويل وتعبير يعرب عما هو المراد به . فالمراد بجبل لبنان واللّه تعالى أعلم جهة جسمانية التي بها تبلغ الروح لبانته وحاجته من تكميل قواه بها ، وفيها وبالفرس الناري جهة روحانيته التي بها نورية التفرس بالمطالب العالية وزارية الشوق إليها ويكون جميع آلاته من نار تكامل قواه بسراية تلك النورية ، والنورية فيها للانسلاخ عن مقتضيات جهة جسمانية ، والمراد بانفلاق الجبل عنه مغلوبية جهة جسمانيته بجهة روحانيته ، لأنه عليه السلام كان كثير الرياضة مغلبا لقواه الروحانية على القوى الجسمانية حتى نقل إلينا أنه بقي ستة عشر سنة أو أكثر لم ينم ولم يأكل ولم يشرب إلا ما شاء اللّه إلى أن غلبت جهة روحانيته على جهة جسمانيته . والمراد بركونه عليه استعلاؤه واستقراره على جهة روحانيته بحيث أوصلته إلى مكانه العلي ومكانته العلية التي هي اللحوق بالملأ الأعلى ، فباستقراره على جهة روحانيته سقطت عنه الشهوة والغضب اللذان هما من مقتضيات جهة جسمانيته فبقي عقلا
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 434 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي