تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
فالوهم هو السّلطان الأعظم في هذه النشأة الصّوريّة الإنسانيّة ، وبه جاءت الشّرائع المنزلة فشبّهت ونزّهت ، شبّهت في التّنزيه بالوهم ، ونزّهت في التّشبيه بالعقل . فارتبط الكلّ بالكلّ ، فلا يمكن أن يخلو تنزيه عن تشبيه ولا تشبيه عن تنزيه . قال اللّه تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
فنزّه وشبّه ،
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشورى : 11 ] فشبّه . وهي أعظم آية نزلت في التّنزيه ومع ذلك لم تخل عن التّشبيه بالكاف . فهو أعلم العلماء بنفسه ، وما عبّر عن نفسه إلّا بما ذكرناه . ثمّ قال :
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
( 180 ) [ الصافات : 180 ] .
شرح
( فالوهم هو السلطان الأعظم في هذه الصورة الكاملة الإنسانية وبه ) ، أي بالوهم وما يحكم به . ( جاءت الشرائع المنزلة من عند اللّه فشبهت ) الشرائع ( ونزهت ، شبهت في ) مقام ( التنزيه بالوهم ) ، وحكمه إذ الوهم تلبس المعاني عن الصور نوعا من الصورة ( ونزهت في ) مقام ( التشبيه بالعقل ) وحكمه إذ العقل يجرد المعاني المنزهة في حدّ ذواتها عن الصور التي ألبسها الوهم لها ( فارتبط الكل ) ، أي كل من العقل والوهم ( بالكل ) ، أي بكل واحد من التنزيه والتشبيه . أما ارتباط العقل بالتنزيه فظاهر ، وأما ارتباطه بالتشبيه فحكمه برفعه ، هذا إذا كان الكل إفراديا ، وأما إذا كان مجموعيا فمجموع أفراد كل من التنزيه والتشبيه كل ، وكل من الكلين مرتبط بالآخر ارتباط أجزاء كل منهما بأجزاء الآخر ، كل جزء بجزء ( فلم يمكن ) . وفي النسخة المقابلة بالأصل فلم يتمكن ( أن يخلو تنزيه عن تشبيه ولا تشبيه عن تنزيه ) . أما الأول فكما ( قال تعالى :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌفنزه ) ، لأن نفي المماثلة عن مثله يوجب نفي المماثلة عن نفسه بالطريق الأولى ، أو بأن يقال : نفي مثل المثل يستلزم نفي المثل ، لأنه لو كان له مثل ما يلزم أن يكون لمثله مثل وهو نفسه ، ولو قال بزيادة الكاف على خلاف الظاهر فالأمر ظاهر ( وشبه ) ، لأنه أثبت له مثلا ونفى أن يكون لمثله مثل فإثبات المثل تشبيه . وأما الثاني : فكما قال تعالى : (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُفشبه ) فإنه أثبت له ما هو ثابت للخلق أعني السمع والبصر ونزه أيضا بحصر السمع والبصر فيه فلا شركة ، أو بإثباتهما له فإن ذلك تنزيه له عن الانحصار في التنزيه وهو كمال التنزيه ، ولم يقل ونزه اكتفاء بما سبق من أنه لا يخلف تشبيه عن تنزيه ( وهي ) ، أي قوله :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ( أعظم آية نزلت في التشبيه ومع ذلك لم تخل عن تشبيه بالكاف ) ، أي بسبب إدخال الكاف على المثل فإنه يدل بحسب الظاهر على إثبات المثل ( فهو أعلم العلماء بنفسه وما عبر عن نفسه إلا بما ذكرناه ، ثم قال :سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ( 180 ) [ الصافات : 180 ] .
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 436 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي