فكان الحقّ فيه منزّها ، فكان على النّصف من المعرفة باللّه ، فإنّ العقل إذا تجرّد لنفسه من حيث أخذه العلوم عن نظره ، كانت معرفته باللّه على التّنزيه لا على التّشبيه .
وإذا أعطاه اللّه المعرفة بالتّجلّي كملت معرفته باللّه ، فنزّه في موضع وشبّه في موضع .
ورأى سريان الحقّ في الصّور الطّبيعيّة والعنصريّة . وما بقيت له صورة إلّا ويرى عين الحقّ عينها .
وهذه المعرفة التّامّة الّتي جاءت بها الشّرائع المنزلة من عند اللّه وحكمت بهذه المعرفة الأوهام كلّها .
ولذلك كانت الأوهام أقوى سلطانا في هذه النّشأة من العقول ، لأنّ العاقل ولو بلغ من عقله ما بلغ لم يخل عن حكم الوهم عليه والتصوّر فيما عقل .
شرح
بالشهوة ( فكان الحق ) المتجلى ( فيه ) من جهة روحانيته ( منزها ) عن أحكام جهة جسمانية فما كان يعرفه من حيث تلبسه بأحكام جهة جسمانيته معرفة ذوق ووجدان في نفسه ( فكان على النصف من المعرفة باللّه فإن العقل إذا تجرد لنفسه ) من غير مدخلية الوهم ( من حيث أخذه العلوم عن نظره كانت معرفته باللّه على التنزيه لا على التشبيه ) ، فإن الدلائل العقلية والمقدمات اليقينية لا تنتج إلا تنزيهه تعالى عما لا يليق بذاته في صرافة وحدته ( وإذا أعطاه ) ، أي العقل ( اللّه المعرفة بالتجلي ) في الصورة ، أي صورة كانت ( كملت معرفته باللّه فنزه في موضع ) يقتضي نظره الفكري التنزيه ( وشبه في موضع آخر ) ، يقتضي التجلي التشبيه ( ورأى سريان الحق بالوجود في الصور الطبيعية والعنصرية ) ، الشاملتين لجميع أنواعها ( وما بقيت صورة إلا ويرى الحق عينها ) ، من حيث اتحاد الظاهر بالمظهر ( وهذه ) المعرفة الجامعة التي بين التنزيه والتشبيه ( هي المعرفة التامة التي جاءت بها الشرائع المنزلة من عند اللّه وحكمت بهذه المعرفة ) ، أي بصحة هذه المعرفة من حيث اشتمالها على تجويز التشبيه ما نزه العقل والناس ليس له صورة عند العقل نوعا من الصور ( الأوهام كلها ) وإن لم يكن في هذه المادة وانقاد أصحاب الأوهام لحكمها ، لأن الوهم يستشرف إلى ما وراء موجبات الأفكار وألا ينقاد للقوة الفكرية فيجوز الحكم على المطلق بالقيد وعلى المنزه عن الصورة بالصورة وبالعكس ، فكذا يحكم بالشاهد على الغائب وبالعكس ( ولذلك ) ، أي لكون صوره عند العقل من التنزيه وإلباس الصور لما ليس له صورة عند العقل وانقياد صاحب الوهم لحكمه ( كانت الأوهام أقوى سلطانا في هذه النشأة من العقول لأن العاقل ولو بلغ من عقله ما بلغ ) ، مما هو منتهى مبلغ العقول ( لم يخل عن حكم الوهم عليه ) بخلاف ما حكم العقل عليه ( والتصور ) ، أي ولم يخل عن الدخول في الصور وقبولها ( فيما عقل ) ، أي في معقولاته الصرفة الخالية عن الصور