والّذي أوجدها في المرحوم ما أوجدها ليرحمه بها وإنّما أوجدها ليرحم بها من قامت به .
وهو سبحانه ليس بمحلّ للحوادث ، فليس بمحلّ لإيجاد الرّحمة فيه . وهو الرّاحم ولا يكون الرّاحم راحما إلا بقيام الرّحمة به ، فثبت أنّه عين الرّحمة .
ومن لم يذق هذا الأمر ولا كان له فيه قدم ما اجترأ أن يقول إنّه عين الرّحمة أو عين الصّفة ، فقال ما هو عين الصّفة ولا غيرها . فصفات الحقّ عنده لا هي هو ولا هي غيره ، لأنّه لا يقدر على نفيها ولا يقدر على أن يجعلها عينه ، فعدل إلى هذه العبارة وهي عبارة حسنة ، وغيرها أحقّ بالأمر منها وأرفع للإشكال .
وهو القول بنفي أعيان الصّفات وجودا قائما بذات الموصوف وإنّما هي نسب وإضافات بين الموصوف بها وبين أعيانها المعقولة .
شرح
الموجبة لقيام الرحمة بالمرحوم وجعله راحما ( والذي أوجدها ) ، أي الرحمة ( في المرحوم ما أوجدها ) فيه ( ليرحمه بها ) ، ويجعله مرحوما ( وإنما أوجدها ليرحم بها من قامت به ) تلك الرحمة ويصير بها راحما .
وجميع ما ذكرناه إنما يصح بالنسبة إلى الخلق وأما بالنسبة إلى الحق سبحانه فهو ما أشار إليه بقوله ( وهو سبحانه ليس بمحل للحوادث فليس بمحل لإيجاد الرحمة فيه وهو الراحم ولا يكون الراحم راحما إلا بقيام الرحمة به ) ، ووجوهها فيه أو بكونه عين الرحمة ، والأول يستلزم كونه محلا للحوادث أو الاستكمال بالغير ( فثبت أنه عين الرحمة ومن لم يذق هذا الأمر ) ، أي يعرفه معرفة ذوق ووجدان ( ولا كان له فيه قدم ) يسلك بها مسالك النظر والبرهان ( ما اجترأ أن يقول إنه عين الرحمة أو عين الصفة ) مطلقا كما ذهب إليه الحكماء والمعتزلة ( فقال ) : من لم يذق هذا الأمر ولا كان له قدمه يعني الأشعري ( ما هو عين الصفة ولا غيرها فصفات الحق عنده لا هي هو ولا هي غيره لأنه لا يقدر على نفيها ) ، كما سيصرح به الشيخ رضي اللّه عنه عن كثب ( ولا يقدر أن يجعلها عينه ) ، كما ذهب إليه الحكماء والمعتزلة ( فعدل إلى هذه العبارة وهي عبارة حسنة ) ، لأنه يدفع بها بحسب الظاهر ما يرد على كل من تقديري العينية والغيرية .
( وغيرها ) من العبارات ( أحق بالأمر ) ، أي بأمر الكشف على ما هو مطابق للواقع ( منها ) ، أي من تلك العبارة ( وأرفع للإشكال ) الوارد في هذا المقام على ما يفهم من تصفح كلامهم ( وهو ) ، أي ما يغاير تلك العبارة وأحق بالأمر وأرفع للإشكال ( القول بنفي أعيان الصفات وجودا قائما بذات الموصوف وإنما هي نسب وإضافات بين الموصوف بها وبين أعيانها المعقولة ) ، التي بها تتمايز تلك الصفات التي هي نسب