وذلك لدلالتها على عين واحدة ، وإن تكثّرت الأسماء عليها واختلفت حقائقها أي حقائق تلك الأسماء .
ثمّ إنّ الرّحمة تنال على طريقين ، طريق الوجوب ، وهو قوله تعالى :
فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ
وما قيّدهم به من الصّفات العلميّة والعمليّة .
والطّريق الآخر الّذي تنال به هذه الرّحمة طريق الامتنان الإلهيّ الّذي لا يقترن به عمل وهو قوله :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
[ الأعراف : 156 ] ومنه قيل :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
[ الفتح : 2 ] . ومنها قوله : « اعمل ما شئت فقد غفرت لك »
شرح
( وذلك لدلالتها على عين واحدة ) ، هي الذات الإلهية ( وإن تكثرت الأسماء عليها واختلفت حقائقها ، أي حقائق تلك الأسماء ) ، يعني مفهوماتها بخصوصياتها الامتيازية .
( ثم إن الرحمة تنال على طريقين : طريق الوجوب ) بأن أوجب الحق على نفسه أن يرحم عباده إذا أتوا لما قيدهم به وكلفهم من العلم والعمل وهذا الإيجاب على سبيل الفعل والامتنان ، لأن العبد أوجبه عليه بعمله أو بعلمه . ( و ) ما يدل على هذا الطريق ( هو قوله تعالى :فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ[ الأعراف : 156 ] ، وما قيدهم به من الصفات العلمية والعملية ) ، ويفهم من ذلك أن الرحمة الواقعة بإزاء العلم أيضا وجوبية ولا يبعد أن يفرق بين العلم الكسبي والوهبي .
( والطريق الآخر الذي تنال به هذه الرحمة طريق الامتنان الإلهي الذي لا يقترن به عمل ) ، والمراد بالعمل إما ما يعم العلم أيضا ، أو ترك العمل بقرينة السابق فمنه ما هو عام وهو الرحمة الذاتية الشاملة لجميع الموجودات ( و ) ما يدل عليه ( هو قوله :وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍومنه ) ما هو خاص كما ( قيل ) لنبينا صلى اللّه عليه وسلم ( ليغفر لك اللّه ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) فإن الفتح المبين الذي تفرد به صلى اللّه عليه وسلم يستتبع هذه الرحمة الامتنانية التي لا يوازيها عمل منه ومعنى الآية على بعض وجوهها ليغفر لك اللّه ما تقدم على هذه النشأة من أحكام الإمكان من ذنبك وهو ما يتأخر عن رتبة الاعتبار من هذه الأحكام فإن أذناب القوم أراذلهم وذنب الدابة ما يتأخر عن سائر أعضائه وما تأخر عن تلك الشاة من تلك الأحكام ( ومنها ) ، أي من الرحمة الامتيازية الحاصلة ما يدل عليه ( قوله : اعمل ما شئت فقد غفرت لك ) .
أورد الشيخ رضي اللّه عنه في الفتوحات المكية أنه ثبت في الأخبار الإلهية وصح أن العبد يذنب الذنب ويعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب فيقول : اللّه له في ثالث مرة أو رابع مرة اعمل ما شئت فقد غفرت لك . انتهى كلامه فقد ظهر من هذا الخبر أن