ولمّا كان لكلّ عين وجود يطلبه من اللّه ، لذلك عمّت رحمته كلّ عين .
فإنّه برحمته الّتي رحمه بها قبل رغبته في وجود عينه ، فأوجدها . فلذلك قلنا إنّ رحمة اللّه وسعت كلّ شيء وجودا وحكما .
والأسماء الإلهيّة من الأشياء ؛ وهي ترجع إلى عين واحدة . فأوّل ما وسعت رحمة اللّه شيئيّة تلك العين الموجدة للرّحمة بالرّحمة ، فأوّل شيء وسعته الرّحمة نفسها
شرح
الغضب ، فهو مسبوق بالرحمانية ، وأيضا إفاضة الوجود مطلقا هي الرحمة ، لكنها قد تنصبغ باعتبار متعلقه بصبغ الغضب ، ولا شك أن انصباغها بهذا الصبغ متأخر عنها فهذا معنى آخر لسبق الرحمة على الغضب ، وقد يجعل السبق بمعنى الغلبة فسبق الرحمة الغضب باعتبار غلبتها عليه آخرا ( ولما كان لكل عين ) من الأعيان المتبوعة أو التابعة ( وجود ) ، أي حصة وجودية ( يطلبه ) ، أي يطلب ذلك العين الوجود يعني الحصة الوجودية ( من وجود اللّه لذلك عمت رحمته كل شيء فإنه ) ، أي الحق ( برحمته التي رحمه ) ، أي كل عين ( بها ) ، أي بتلك الرحمة في الفيض الأقدس بإعطائه الثبوت في العلم واستعداد الوجود في العين ( قبل ) فعل ماض من القبول ، أي بمقتضى تلك الرحمة الأزلية قبل الحق سبحانه ( رغبته ) ، أي رغبة كل عين ( في وجود عينه ) في الخارج ( فأوجدها ) في الفيض المقدس فيه ، وقيل : معناه ، فإنه أي كل عين برحمته ، أي برحمة اللّه التي رحمه ، أي كل عين بها في الفيض الأقدس لحصول الاستعداد قبل كل عين رغبته في وجود عينه ، أي صار قابلا ، لأن يرغب في وجود عينه ويطلبه ، فأوجدها بالفيض المقدس ، فالمراد بقبول الحق رغبة كل عين في وجود عينه أن يعامل معه بمقتضى رغبته وطلبه ، ويفيض على غيبه الوجود بقبول العين الراغبة أن تظهر فيه الرغبة والطلب ( فلذلك ) ، أي لأجل ذلك الإيجاد لقبول رغبته في وجود عينه ( قلنا : إن رحمة اللّه وسعت كل شيء وجودا وحكما ) ، أما وجودا فظاهر ، وأما حكما فلإعطائه استعداد الوجود أولا وإفاضة الوجود على لوازم الوجود آخرا ( والأسماء الإلهية من الأشياء ) التي عمتها الرحمة الوجودية ( وهي ) من حيث أنها متمايزة بخصوصيات هي نسب لا وجود لها ( ترجع إلى عين واحدة ) لها الوجود ووجودها باعتبار تلك العين الواحدة وهذه العين الواحدة هي النفس الرحماني الذي هو الوجود الحق لا مطلقا بل من حيث عمومه وانبساطه ( فأول ما وسعت ) ، أي وسعته ( رحمة اللّه شيئية تلك العين ) والرحمة التي وسعت الرحمة الذاتية الحاصلة من التجلي الذاتي بصورة تلك العين التي هي النفس الرحماني ( الموجدة للرحمة ) ، أي للوجودات الخاصة المتعينة بحسب كل حقيقة حقيقة علما أو عينا ( بالرحمة ) التي هي نفس تلك العين أعني النفس الرحماني فإنها التي تقيدت بكل حقيقة حقيقة فصارت وجوداتها الخاصة .
وهذا المعنى هو المعنى بكونها موجودة لها ( فأول شيء وسعته الرحمة نفسها ) ،