تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١

الفص الزكرياوي 21 - فص حكمة مالكية في كلمة زكرياوية

اعلم أنّ رحمة اللّه وسعت كلّ شيء وجودا وحكما ، وأنّ وجود الغضب من رحمة اللّه بالغضب . فسبقت رحمته غضبه أي سبقت نسبة الرّحمة إليه نسبة الغضب إليه .
شرح
فص حكمة مالكية في كلمة زكرياوية إنما وصف الشيخ رضي اللّه عنه حكمته بالمالكية لأن الغالب على أحواله كان حكم الاسم المالك ، لأن الملك الشدة والمليك الشديد ، وأن اللّه ذو القوة المتين أيدته بقوة سرت في همته وتوجهه فأثمرت الإجابة وحصول المراد فليتذكر قصة :وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ[ الأنبياء : 90 ] بقوة غيبية ربانية خارجة عن الأسباب المعتادة ما صحلت زوجته ولا تيسر لها الحمل ، ثم أنه كما سرت تلك القوة من الحق في زكريا وزوجته تعدت منهما إلى يحيى ، ولذلك قال له الحق :يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ[ مريم : 12 ] ولما صدر الحق سبحانه قصته عليه السلام في سورة مريم بذكر الرحمة حيث قال :ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا( 2 ) [ مريم : 2 ] وافقه الشيخ رضي اللّه عنه وصدر حكمته ههنا بذكر الرحمة ، فقال : ( اعلم أن رحمة اللّه وسعت كل شيء رحمة وجودا وحكما ) رحمة اللّه التي هي الوجود الشامل كل الأشياء ، وسعت كل شيء من حيث وجوده الخاص به ، ومن حيث الأحكام التابعة لوجوده كالعلم والقدرة مثلا ، والمتبوعة المتوقف وجوده عليها كالقابلية والاستعداد للوجود التابعين لثبوت الأعيان في العلم السابقين على وجودها في العين ( وأن وجود الغضب ) الذي هو من الأحكام التابعة بوجود الغاضب ( من رحمة اللّه تعالى بالغضب ) فإنه بحسب استعداده للوجود طلب الوجود من اللّه سبحانه ، فرحمه وأعطاه الوجود ( فسبقت رحمته غضبه أي سبقت نسبة الرحمة ) على الغضب بإفاضة الوجود عليه ( إليه تعالى نسبة الغضب ) على المغضوب عليه ( إليه تعالى ) ، فإنه ما لم يتصف غضبه بالوجود الذي هو رحمته لم يتعلق بالمغضوب عليه . اعلم أن الغضب في الجناب الإلهي ليس إلا إفاضة الوجود على حال غير ملائم للمغضوب عليه في المغضوب عليه ، بحيث يتضرر به ويتألم ، ولا شك أن تلك الإفاضة أمر وجودي يطلب الوجود الذي هو الرحمة ، فما لم يتعلق به الوجود الذي هو الرحمة لم يتحقق
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 421 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي