تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
فالحقّ جليس الجزء الذاكر منه والآخر متّصف بالغفلة عن الذّكر . ولا بدّ أن يكون في الإنسان جزء يذكر به فيكون الحقّ جليس ذلك الجزء فيحفظ باقي الأجزاء بالعناية . وما يتولّى الحقّ هدم هذه النّشأة بالمسمّى موتا وليس بإعدام كلّيّ وإنّما هو تفريق ، فيأخذه إليه ، وليس المراد إلا أن يأخذه الحقّ إليه
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ
[ هود : 123 ] فإذا أخذه إليه سوّى له مركبا غير هذا المركب من جنس الدّار الّتي ينتقل إليها ، وهي دار البقاء لوجود الاعتدال . فلا يموت أبدا ، أي لا تفرّق أجزاؤه . وأمّا أهل النّار فمآلهم إلى النّعيم ، ولكن في النّار إذ لا بدّ لصورة النّار بعد انتهاء مدّة العقاب أن تكون بردا وسلاما على من فيها ، وهذا نعيمهم .
شرح
فالحق جليس الجزء الذاكر منه و ) الجزء ( الآخر متصف بالغفلة عن الذكر ولا بد أن يكون في الإنسان جزء يذكر الحق به فيكون الحق جليس ذلك الجزء فيحفظ باقي الأجزاء بالعناية ) الإلهية كما يحفظ العالم بوجود الكامل الذي يذكر اللّه في جميع أحيانه كما جاء في الحديث : « لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول : اللّه اللّه » « 1 » . ولما ذكر أن العبد محفوظ ما دام جزء منه ذاكرا كان محال أن يقول : كيف يكون محفوظا وقد يطرأ عليه الموت فدفعه بقوله : ( وما يتولى الحق هدم هذه النشأة بالمسمى موتا فليس بإعدام ) له بالكلية ( وإنما هو ) أي الموت ( تفريق ) بين الجسم والروح ( فيأخذه ) ، أي العبد من حيث روحه ( إليه وليس المراد ) ، أي مراد العبد ( إلا أن يأخذه الحق ) ويخلصه من عالم الكون والفساد ( إليه ، وإليه يرجع الأمر كله فإذا أخذه ) الحق ( إليه ) ، أي إلى نفسه ( سوى له مركبا ) أي بدنا يكون له بمنزلة المركب ( غير هذا المركب ) الذي هو بدنه الصغرى ( من جنس الدار التي ينتقل إليها ) ، إما بدنا مثاليا كما في البرزخ أو بدنا أخرويا بعد الحشر شبيها بالبدن العنصري في دار الجزاء الجنة أو النار ( وهي دار البقاء لوجود الاعتدال ) الحقيقي الذي يحفظ الأجزاء عن الانفكاك ( فلا يموت أبدا أي لا تتفرق أجزاؤه ) ، كما قال تعالى :خالِدِينَ فِيها أَبَداً[ النساء : 57 ] . ( وأما أهل النار ) الخالدون فيها ( فمآلهم إلى النعيم ولكن في النار إذ لا بد لصورة النار بعد انتهاء مدة العقاب أن تكون بردا وسلاما على من فيها وهذا نعيمهم ) . وقد جاء
هامش
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب ذهاب الإيمان آخر الزمان ، حديث رقم [ 234 - ( 148 ) ] ورواه غيره .