تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
وذلك أنّه لا يعلم قدر هذه النّشأة الإنسانيّة إلّا من ذكر اللّه الذّكر المطلوب منه ، فإنّه تعالى جليس من ذكره ، والجليس مشهود الذاكر ومتى لم يشاهد الذّاكر الحقّ الّذي هو جليسه فليس بذاكر . فإنّ ذكر اللّه سار في جميع العبد . لا من ذكره بلسانه خاصّة . فإنّ الحقّ لا يكون في ذلك الوقت إلّا جليس اللّسان خاصّة ، فيراه اللّسان من حيث لا يراه الإنسان بما هو راء . فافهم هذا السّرّ في ذكر الغافلين . فالذّاكر من الغافل حاضر بلا شكّ ، والمذكور جليسه فهو يشاهده والغافل من حيث غفلته ليس بذاكر فما هو جليس الغافل فإنّ الإنسان كثير ما هو أحديّ العين ، والحقّ أحديّ العين كثير بالأسماء الإلهيّة : كما أنّ الإنسان كثير بالأجزاء : وما يلزم من ذكر جزء ذكر جزء آخر .
شرح
( وذلك ) ، أي حسن ما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم بحيث يقضي منه العجب ( أنه لا يعلم قدر هذه النشأة الإنسانية إلا من ذكر اللّه الذكر المطلوب منه ) ، فيحصل فيها ما لا سعادة فوقه وهو سعادة شهود الحق سبحانه ، فنبه صلى اللّه عليه وسلم على أن ما يحصل للذاكر في هذه النشأة أفضل مما يحصل في هدمها ، وإن كان واقعا بموجب الأمر مثمرا لسعادات عظيمة هي الفوز بالجنة والتلذذ بملاذها من الحور والقصور وغيرها ، فإبقاء هذه النشأة أفضل من هدمها وإن كان بالأمر . ثم شرع رضي اللّه عنه في بيان ما يحصل للذاكر في هذه النشأة فقال : ( فإنه تعالى جليس من ذكره والجليس مشهود الذاكر ومتى لم يشاهد الذاكر ) ، فجمع أجزاء وجوده ( الحق الذي هو جليسه فليس بذاكر فإن ذكر اللّه سار في جميع ) أجزاء ( العبد ) ، فالذاكر له من ذكر بجميع أجزائه ( لا من ذكره بلسانه خاصة فإن الحق لا يكون في ذلك الوقت إلا جليس اللسان خاصة فيراه اللسان من حيث لا يراه الإنسان بما هو ) ، أي اللسان راء به وهو البصر وفيه إشارة إلى أن لكل شيء نصيبا من الصفات السبعة الكمالية ولكن لا على الوجه المعهود ، ولذلك قال بما هو ( راء ) . فافهم هذا السر في ذكر الغافلين . فالذاكر ) الذي هو اللسان ( من الغافل حاضر بلا شك والمذكور جليسه فهو ) ، أي الذاكر ( يشاهده ) ، أي المذكور ( والغافل من حيث غفلته ليس بذاكر فما هو ) ، أي الحق ( جليس الغافل فإن الإنسان ما هو أحدي العين والحق أحدي العين كثير بالأسماء الإلهية ، كما أن الإنسان كثير بالأجزاء ولا يلزم من ذكر جزء ما ذكر جزء آخر .