تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
ألا تراه تعالى يقول :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
فجعل القصاص سيّية ، أي يسوء ذلك الفعل مع كونه مشروعا .
فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
[ الشورى : 40 ] لأنّه على صورته . فمن عفا عنه ولم يقتله . فأجره على من هو على صورته لأنّه أحقّ به إذ أنشأه له . وما ظهر بالاسم الظّاهر إلّا بوجوده فمن راعاه إنّما يراعي الحقّ وما يذمّ الإنسان لعينه وإنّما يذمّ الفعل منه ، والفعل ليس عينه ، وكلامنا في عينه . ولا فعل إلّا للّه ؛ ومع هذا ذمّ منها ما ذمّ وحمد ما حمد . ولسان الذّمّ على جهة الغرض مذموم عند اللّه تعالى . فلا مذموم إلا ما ذمّه الشّرع ، فإنّ الشّرع لحكمة يعلمها اللّه أو من أعلمه اللّه كما شرع القصاص للمصلحة إبقاء لهذا النّوع وإرداعا للمتعدّي حدود اللّه فيه
شرح
مثله » « 1 » ، أي في الظلم إذ لا يثبت القصاص شرعا بمجرد وجدان النسعة في يد آخر وكلاهما هدم بنيان الرب ( ألا تراه تعالى يقول :وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهافجعل القصاص سيئة أي لسوء ذلك الفعل مع كونه مشروعا ) ، وما يقال : إنما يقع أمثال ذلك على سبيل المشاكلة فلا ينافي القصد من البلغاء إلى مثل تلك المعاني والخواص ( فمن عفى وأصلح فأجره على اللّه لأنه ) ، أي المعفو عنه ( على صورته ) ، أي صورة الحق ( فمن عفا عنه ولم يقتله فأجره على من هو ) ، أي المعفو عنه ( على صورته ) ، وهو الحق سبحانه ( لأنه ) ، أي الحق سبحانه ( أحق به ) ، أي بالعبد المعفو عنه ( إذ أنشأه له ) ، أي لنفسه حتى يظهر به أسماءه وصفاته . ( وما ظهر الحق باسم الظاهر إلا بوجوده فمن راعاه ) ، بأن عفى عنه ولم يقتله ( فإنما يراعي الحق ) بإبقاء مظهره حتى يتمكن من الظهور ( وما يذم الإنسان لعينه وإنما يذم لفعله وفعله ليس عينه وكلامنا في عينه ولا فعل إلا للّه ومع هذا ذم منها ) ، أي من الأفعال ( ما ذم وحمد منها ما حمد ، ولسان الذم على جهة الغرض ) بأن ذم أحد شيئا لا يوافق غرضه ( مذموم عند اللّه بخلاف ما ذمه الشرع ) ، وهذا صريح في أن حسن الأشياء وقبحها شرعي لا عقلي ( فإن ذم الشرع لحكمة يعلمها اللّه أو من أعلمه اللّه كما شرع القصاص للمصلحة إبقاء لهذا النوع وإرداعا للمتعدي حدود اللّه فيه ) ، أي في هذا النوع .
هامش
( 1 ) يشير إلى الحديث الذي رواه أبو داود في سننه ، كتاب الديات ، باب الإمام يأمر بالعفو في الدم ، حديث رقم ( 4499 ) ولفطه : « عن وائل بن حجر قال كنت عند النبي صلى اللّه عليه وسلم إذ جيء برجل قاتل في عنقه النسعة قال فدعا ولي المقتول فقال أتعفو قال لا قال أفتأخذ الدية قال لا قال أفتقتل قال نعم قال اذهب به فلما ولى قال أتعفو قال لا قال أفتأخذ الدية قال لا قال أفتقتل قال نعم قال اذهب به فلما كان في الرابعة قال أما إنك إن عفوت عنه يبوء بإثمه وإثم صاحبه قال فعفا عنه قال فأنا رأيته يجر النسعة » . والحديث رواه غير أبو داود .