تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥

الفصّ اليونسي 18 - فص حكمة نفسية في كلمة يونسية

اعلم أنّ هذه النّشأة الإنسانيّة بكمالها روحا وجسما ونفسا خلقها اللّه على صورته ، فلا يتولّى حلّ نظامها إلّا من خلقها ، إمّا بيده - وليس إلّا ذلك - أو بأمره . ومن تولّاها بغير أمر اللّه فقد ظلم نفسه وتعدّى حدّ اللّه فيها وسعى في خراب ما أمره اللّه بعمارته .
شرح
فص حكمة نفسية في كلمة يونسية لما نفس اللّه سبحانه بنفسه الرحماني عن كرب يونس عليه السلام بتخليص نفسه القدسية عن توهم خراب صورته الجسمانية وعدم نشأته العنصرية المانعين لها عن الوصول بكمالها حين ألقاه من بطن الحوت إلى ساحل اليم ، وصف حكمته بالنفسية بسكون الفاء كما ذهب إليها أكثر الشارحين ، أو النفسية بفتحها كما تشهد بها النسخة المقروءة على الشيخ رضي اللّه عنه . وظهر من ذلك وجه تصدير قصته عليه السلام بما يدل على وجوب المحافظة للنشأة الإنسانية عن هدمها وحل نظامها حيث قال و ( اعلم أن ) هذه ( النشأة الإنسانية بكمالها ) ، أي بتمامها ( روحا وجسما ونفسا خلقها اللّه على صورته ) الجامعة بين التنزيه الذي تدركه الروح والتشبيه الذي تحكم به القوى الجسمانية ، والجمع بينهما الذي ينكشف للطيفة القلبية الجامعة بين أحكام الروح والجسم المتوسط بينهما ، وكأنه رضي اللّه عنه أراد بهذه اللطيفة النفس وإن كانت مسماة القلب في عرفهم ، وهي في الحقيقة غير الروح لكن باعتبار تفاعل واقع بين صفاته التجريدية الذاتية وبين أحوالها التعلقية العرضية واستقرارها على حالة متوسطة اعتدالية من غير غالبية فاحشة ولا مغلوبية كذلك كما تقول الحكماء في المزاج ( فلا يتأتى حل نظامها إلا من خالقها ) ، وهو اللّه سبحانه ( إما بيده ) ، أي بغير واسطة الأمر التشريعي التكليفي ( وليس ) في الحقيقة ( إلا ذلك ) لأن الكل بمشيئته ( أو بأمره ) التشريعي التكليفي ( ومن تولاها بغير أمر اللّه فقد ظلم نفسه وتعدى حدود اللّه فيها ) ، أي تعدى ما عين اللّه وأوجبه عليه في شأنها من حفظها ( وسعى في خراب ما أمره اللّه بعمارته .